
لعنة الملك الفيلسوف: ماو بعد نصف قرن
وسام سعادة
حرير- لم تنظّم القيادة الصينية احتفالاً ضخماً بالذكرى الخمسين لرحيل ماو تسي تونغ في التاسع من سبتمبر، على غرار ما فعلته في الذكرى الـ130 لميلاده عام 2023، وإن اتخذت المناسبة طابعاً شعبياً في هونان. فالميلاد أصلح لسردية الاستمرار من الموت.
والحال أن الزعيم شي جينبينغ يعتمد نهجاً مزدوجاً: عدم استخدام الإصلاح بعد 1978 لنفي الحقبة الماوية، وعدم استخدام الماوية لنفي التحديث والإصلاح. لذلك هو يبقي الحكم على الثورة الثقافية شديد القسوة. صحيح أنه استعاد بعضا من ماو في خطاب التطهير الداخلي، لكنه لا يطلق «الجماهير» و»الحرس الأحمر» ضد الحزب، بل يستخدم جهاز الحزب لضبط نفسه، ولا يجعل ماو مرجعاً ناطقاً من وراء القبر، إنما «يصالح» السلفين: ماو ودينغ.
تعيد ذكرى مرور نصف قرن على رحيل ماو واحدة من أغرب ظواهر القرن العشرين: تحويل الزعيم الثوري إلى «ملك فيلسوف». عرفت التجربة السوفياتية هذا المسار مع لينين بعد رحيله، ثم حاول ستالين أن يجد لنفسه موطئ قدم قسري في تاريخ الفلسفة من خلال كراسه «المادية الجدلية والمادية التاريخية»، لكن النموذج الأعلى للشرعية الفلسفية بقي لينين، حتى في عهد ستالين. أما في الصين الماوية فقد بلغ الأمر منزلة أخرى: تكريسه المرجع الأعلى في الفلسفة والتاريخ والسياسة معاً.
في حالة لينين، ارتكز التكريس الفلسفي خصوصاً على «المادية والنقدية التجريبية» (1909)، وهو كتاب سجالي ضد المتأثرين بماخ وأفيناريوس بين البلاشفة آنذاك ومن تزعزعت قناعاتهم المادوية من بعد هزيمة ثورة 1905 الروسية، دافع فيه لينين عن وجود واقع موضوعي مستقل عن التجربة الحسية. تمسّك بـ«الشيء في ذاته»، لكنه رفض استحالة معرفته كما عند كانط. جاءت السجالية فيما كانت الفيزياء تعيد تعريف المادة مع الإلكترون والنشاط الإشعاعي والنسبية، فاعتبر لينين أن «اختفاء المادة» يعني اختفاء صورتها القديمة لا الواقع الموضوعي نفسه. وهكذا فصل بين التعريف الفيزيائي للمادة ومقولتها الفلسفية. غير أن هذه المناورة حملت مأزقاً: كلما تجردت المادة من مضمون فيزيائي محدد، اقتربت من أن تصبح مقولة فارغة، وهو ما غذّى لاحقاً ريبة سوفياتية من النسبية وميكانيكا الكم.
لكن لينين «أكثر فلسفية» يظهر أكثر في «دفاتر» هوامشه القرائية التي اختطها في سني الحرب العالمية الأولى. هناك، أمام انهيار عالم الأممية الثانية وماركسيتها التطورية والوضعية، عاد إلى هيغل ليبحث عن أدوات لفهم التناقض والقفزة والانقطاع والتحول إلى الضد. شدد على أن فهم «رأس المال» يقتضي دراسة منطق هيغل. كانت تلك، عملياً، مراجعة ضمنية لحدود فهمه السابق لماركس وفهم ماركسيي جيله. لأجل هذا، ولو أن الأيديولوجيا السوفياتية لم يكن بوسعها حذف هذه الدفاتر، الا أنها كانت مهتمة بأن لا تتحول الى مسند لتسويغ النزعات النيو هيغلية التي لا يمكن ضبطها.
من هذه الدفاتر انتقل من ثم إلى صياغة «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، ثم إبان المرحلة الثورية الروسية إلى «الدولة والثورة»: من سؤال كيف نفكر؟ إلى سؤال ما الكل الذي نعيش داخله؟ ثم إلى سؤال 1917، ما الشكل السياسي للقطيعة مع هذا الكل؟ لهذا، لينين في تاريخ الفكر الفلسفي لا يقل أهمية عن غرامشي، وإن كان غرامشي يكتب السياسة بلغة فلسفية، بينما يكتب لينين الفلسفة بلغة الفاعل السياسي. شيء آخر تحويل لينين بعد موته إلى «ملك فيلسوف» من وراء الضريح: مومياء، وأعمال كاملة، ودماغ يفصل عن باقي الجثة ويُدرس بوصفه دماغاً ليس كمثله دماغ، ونصوص تتحول إلى مرجع سيادي يحسم باسمها النزاع.
على أن الحياة الفلسفية السوفياتية لم تكن صحراء دوغمائية ليس إلا. في العشرينيات دار صراع حقيقي بين «الميكانيكيين» المرتبطين بليوبوف أكسلرود، الرافضين لتحويل الديالكتيك إلى قوة غيبية فوق قوانين الطبيعة، وبين جماعة أبرام ديبورين الداعين إلى مزيد من العودة إلى هيغل. انتصر الديبورينيون على خصومهم حزبياً، ثم ضربهم ستالين بدعوى أن ديالكتيكهم غير مادي بما يكفي. ومن هذه الخلفية يمكن قراءة تدخل ستالين في رسم «المادية الجدلية» بوصفها العقيدة الصحيحة بعد تنحية الطرفين. ومع شدة الرقابة، بقيت في الاتحاد السوفياتي مؤسسة فلسفية منفصلة نسبياً: أكاديميات ومجلات وأسماء من ديبورين إلى إيلينكوف، تتنازع، ضمن الحدود المسموح بها، معنى «لينين الصحيح» ودرجة العودة المسموح بها الى مصادر ما قبل ماركسية للوعي الفلسفي.
مع ماو أصبح المشهد أكثر غلواً وشططاً. مقالاته «في التناقض»، «في الممارسة»، «من أين تأتي الأفكار الصحيحة؟» و«حول المعالجة القويمة للتناقضات ضمن الشعب» لم تُعامل بوصفها اجتهادات لزعيم سياسي، بل كمتن فلسفي مرجعي. ومنذ 1966 شاع اللقب الطقسي: المعلم العظيم، الربان العظيم. جرى الانتقال من شرعية الانبثاق من الحزب والثورة إلى شرعية العارف بأسرار التاريخ والتناقض والديالكتيك.
السجالات في الصين الماوية أخذت صورة فلسفية إنما بشكل كاريكاتوري. أشهرها النزاع بين «الواحد ينقسم إلى اثنين» و«الاثنان يندمجان في واحد». المقولة الأولى انخرطت في الخط الماوي الذي يرى التناقض كامناً في كل وحدة؛ والثانية ارتبطت بيانغ شيان تشن، الذي تعرض في الثورة الثقافية للإهانة والضرب والاعتقال والسجن سنوات طويلة. ولعل عبارة مهدي عامل «الموت في التماثل والاختلاف حياة الزمن» تحمل، عبر الوسائط الفرنسية، صدى ماوياً متواتراً لتلك المعركة.
المدهش أن عبادة ماو الحي لم تمنع لاحقاً إعادة تأويله من مواقع كونفوشية ومحافظة. فقد قدّم الفيلسوف الصيني ليو شياوفنغ ماو، بعد عقود، بوصفه في آن حاكماً حكيماً كونفوشياً وملكاً فيلسوفاً أفلاطونياً وأباً مؤسساً للجمهورية الشعبية. المفارقة أن ماو نفسه كان قد بنى شرعيته على القطيعة مع القديم، وعلى حملات من نوع «نقد لين بياو وكونفوشيوس». فإذا بالثورة التي شرعنت نفسها بتحطيم التقليد يعاد لاحقاً شرعنتها باسم التقليد نفسه.
أما حملة «نقد لين بياو وكونفوشيوس» فتكاد تختصر تلك جنون المرحلة. كان لين بياو أحد كبار مهندسي عبادة ماو، ثم أعيد بعد سقوطه تصويره كامتداد للتراتبية الكونفوشية والطاعة والوراثة السياسية. وصيغ تاريخ الصين، لبعض الوقت، كصراع مانوي بين كونفوشيين رجعيين وشرائعيين تقدميين. وراء هذا البناء النظري الهذياني كانت تجري، في الواقع، صراعات خلافة وبلاط، وكانت زوجة ماو جيانغ تشينغ تستخدم الحملة أيضاً في محاصرة تشو إن لاي.
الطامة أنه خارج الصين، اكتسب ماو هالة فكرية هائلة. بل احتفى جان بول سارتر بالثورة الثقافية بوصفها تحطيماً عنيفاً لنظام الامتيازات، فيما كانت الصين غارقة أيضاً في صراع دموي على الخلافة وتبديد لطاقات ومقدرات البلاد. أما التأثير الفلسفي الأعمق لماو فظهر عند ألتوسير وتلاميذه، وخصوصاً في بلورة مفهوم «فرط التحديد» – أن التناقض التاريخي لا يعمل منفرداً، بل يتشكل ويتحوّل بفعل مجمل التناقضات الأخرى داخل التكوين الاجتماعي – ، ثم عند ألان باديو. حاكى ألتوسير لغة ماو في مرحلة كان منشغلاً فيها بإبعاد الماركسية عن جذورها الهيغلية وإثبات أن التناقض الماركسي ليس انعكاساً مباشراً للديالكتيك الهيغلي، بل تناقضاً مركباً ومتعدّد التحديد. أما باديو، فتكمن المفارقة أنه حين أعاد كتابة «الجمهورية» لأفلاطون سنة 2012، أخذ مأخذ الجد مشاعية الحراس ونقد الملكية الخاصة عند الفيلسوف الأثيني، لكنه أزاح الملك الفيلسوف نفسه. كأن الجمهورية انتقلت من «الملك الفيلسوف» إلى «الحراس الفلاسفة».
على الضفة الأخرى وجد اليهودي المصري النشأة بني ليفي، «بيار فيكتور» أيام الثورة الشبابية في مايو 68 الذي انتقل من «ماو الى النبي موسى»، أي إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس ودراسة التلمود. في قراءته لـ«فيدون» توقف بني عند موت سقراط لا بوصفه اكتمالاً للذات، بل بوصفه بقاء تحت نداء دَين ينبغي أداؤه: «نحن مدينون بديك لأسكليبيوس». سقراط يموت وهو لا يزال مخاطَباً بشيء يتجاوزه، لا بوصفه ذاتاً امتلكت خاتمتها وسيطرت على موتها. ماو تسي تونغ، بالعكس، كان يجد صعوبة في السماح للتاريخ بأن يمضي من دونه.
بعد موته وسقوط أرملته و«عصابة الأربعة»، حاولت الصين تجنب مأزق نزع الستالينية السوفياتي الذي زعزع شرعية التركيبة ككل. فجاء دينغ شياو بينغ ــ ملكاً حكيماً إنما من دون اقتراف مقالات فلسفية ولا حب الظهور. جاء بصيغة أن لماو عشرة أصابع، سبعة سليمة وثلاثة معطوبة. لم يُسقط الأب المؤسس الذي سبق أن حل عليه غضبه. لكن، في وقت كانت مفارقة «الملك الفيلسوف» ماو، في الصين تطوى بهذا الشكل، صعدت صورة «ملك فيلسوف» من نوع آخر: الولي الفقيه الإيراني. وهنا تولى ميشال فوكو، ما سبق أن تولاه سارتر بصدد ماو: منح منعطف «ثوري» في تاريخ «الاستبداد الشرقي» كثافةً فلسفية تسبق فحص بنيته الفعلية وعلاقات السلطة ورزمة القيم التي يحملها.



