
مرافعة الدوحة عن المعرفة العربية الإسلامية
مهند مبيضين
حرير- حين ألقى المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عزمي بشارة في باريس محاضرته “فلسطين وأوروبا: عبء الماضي والديناميكيات المعاصرة”، في مؤتمر للمركز في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، انطلق في نصه المعرفي بوعي المؤرخ والناقد والعربي المدافع عن قضية فلسطين التي ولدت أطماع الصهيونية فيها في القرن التاسع عشر الذي شهد الرعاية والاهتمام الغربي الأوروبي الكبير، ليضع السياق المولّد لكيان الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
ولم تكن المحاضرة مجرّد نص في محفل؛ كونها قُدمت في عاصمة بلاد الحرية والعدالة والثورة: فرنسا الأنوار، التي للأسف تبنّت الحركة الصهيونية منذ حملة نابليون التي وعدت الحركة الصهيونية بدولة في فلسطين، ثم جاءت مشاريع الاستيطان التي قادتها جمعيات وجامعات غربية أرسلت علماءها إلى المنطقة، وبخاصة بلاد الشام، وكان مشروع البريطاني لورنس أوليفانت المقدّم عام 1879 أحد أبرز تلك المشاريع، والذي رسم خطوات عملية لتوطين اليهود في عجلون والبلقاء والكرك. وبعد عامين، وقعت مصر ضمن النفوذ البريطاني سنة 1802، ثم سقطت الجزائر بيد فرنسا عام 1830، وتبعتها تونس. فارتبكت الدولة العثمانية مدة طويلة، مع تنامي الصراع الداخلي بين رجل الاستبداد السلطان عبد الحميد وقادة الإصلاح وأبرزهم مدحت باشا، الذي نفي وسجن وقتل مسموماً في الطائف عام 1884. آنذاك أدركت السلطنة مخاطر ذلك المشروع وخشيت سقوط الشام التي هي مهمّة في الطريق إلى الحجاز، وبدأت عملية مركزة النفوذ الحكومي عبر إنشاء لواء الكرك عام 1893.
أراد عزمي بشارة في محاضرته تنبيه الغرب إلى خطئه الأخلاقي تجاه العرب في فلسطين، ونبّه إلى سياقات الاستعمار في المشرق العربي الذي شمل بلاد الشام، وقدّم فلسطين هدية للحركة الصهيونية. ومن غير المستغرب أن تكون فرنسا منشأ الحركة الصهيونية في أوروبا مدخلاً إلى معالجة بشارة المعرفية العميقة. ومن غير المستغرب أيضا أن يصعد بعدها الهجوم من إسرائيل، والذي لحق ببشارة والمؤسّسات التي يشرف عليها في الدوحة، فالمحاضرة الباريسية فكّكت العقل الغربي، وعرّته في منظومة القيم المعرفية ووعود الحرية التي ظل يطلقها إلى العالم الثالث. فالغرب المتمدّن هو من أرسل رجال اللاهوت وعلماء الاجتماع والجغرافيا والأنثروبولوجيا بالقرن التاسع عشر إلى فلسطين، ليجروا مسوحاً لبيئتها الطبيعيّة والسكانيّة، ولينقّبوا عن أي دليلٍ قد يؤكّد معتقداتهم الدينيّة، مع إسقاط تصوّراتهم التوراتية على تفاصيلها، مشفوعاً بفحص إمكانيّة إعادة إحياء المملكة اليهوديّة المتخيّلة وفقاً للتاريخ التّوراتي.
قرّر بشارة في مرافعة باريس، أن المسألة اليهودية منتج حداثي أوروبي، هذه الحداثة التي قرّرت تخلّف العرب والمسلمين، وحاجتهم للعقل الغربي. وفي دفاعه عن المعرفة العربية الإسلامية أخيراً في مقابلته مع تلفزيون العربي 2 عن الموسوعة العربية ومشروعها المعرفي الجديد، ذكّرنا بالمناظرة التاريخية الكبرى بين جمال الدين الأفغاني وإرنست رينان عام 1883، والتي دافع فيها الأفغاني عن العقل العربي، ونبذ مقولة رينان بعجز العقل العربي الإسلامي عن الفلسفة والعلم. والأهم أن توقيت مناظرة الأفغاني ورينان جاء في أوج التفكير والتمدّد الاستعماري في المشرق العربي وشمال أفريقيا.
دفع الأفغاني تهمة التخلّف التي وصم بها رينان العقل العربي الإسلامي، وعزمي بشارة في لقاء التعريف بالموسوعة العربية “أرابيكا” ومشروعها. قال: “في لحظة الانحطاط السياسي، لا نملك إلا أن نقدّم مشروعاً معرفيّاً وننهض بالمعرفة”. وهنا نذكر أن أغلب، بل جل المشروعات الفكرية والأعمال العلمية العربية والإسلامية جاءت في أزمنة انحطاط من الماوردي إلى ابن رشد إلى الغزالي إلى ابن خلدون، وصولاً إلى الزبيدي في معجمة والطهطاوي في دعوته إلى التقدّم والنهضة. أي أن الأزمنة المظلمة عربياً لم تجد الإحياء إلا بتقدّم العلم، تلك صلة الوصل بين “أرابيكا” ومسار المعرفة العربية الإسلامية عبر عصورها.
لم يقدّم بشارة في دفاعه عن المنطقة العربية في محاضرة باريس ندباً للماضي، ولم يعُد إلى أصول الخلفيات التي أوجدت الحركة الصهيونية، بل قدّم خطاباً نقدياً لمسؤوليات الغرب، وتحوّلات الفهم اليهودي للمسألة الصهيونية والعداء للسامية. وذلك كله حسب نصه جاء في معزل عن الشعب الفلسطيني. ومع أنه تم تصدير المسألة اليهودية إلى مكانٍ لا علاقة لها فيه وهو فلسطين، إلا أن هذا الغرب الأوروبي يقرّ سياسات إسرائيل العنصرية ضد الفلسطينيين، وهو بحسب بشارة يتكيّف “مع واقع الفصل العنصري هذا. ولا يكتفي الاتحاد الأوروبي، أو دول أوروبية منفردة، بمجرّد علاقاتٍ عاديّةٍ مع إسرائيل، بل إنها تُمنح امتيازات. فهي تتعامل معها كأنّها دولة أوروبيّة…”.
انعكس ذلك الموقف الغربي الرعائي، برأي بشارة، على الموقف الغربي من حرب 7 أكتوبر (2023) والـتأييد الذي دفع إسرائيل إلى ممارسة كل أنواع التدمير والقتل في قطاع غزّة، والتوسع استيطانياً في الضفة الغربية، وبالتالي الرابح الأكبر كان التطرّف الإسرائيلي على حساب أهل الأرض المحاصرين. لكن ذلك التمجيد لفكرة إسرائيل الأوروبية بات اليوم في خطاب ما بعد الحداثة عرضة للنقد من جيلٍ يرى أن القيم الإنسانية لا تتجزأ، وبات هذا الجيل، بحسب تشخيص بشارة، مؤمناً بالتفريق بين المجرم والضحية، ويبدو أن هذا ما يسري اليوم في الموقف السياسي لبعض القادة الغربيين، ولعل الموقف البريطاني أخيراً تجاه إسرائيل يحمل جزءاً من ذلك التحول.
في الختام، لا يتحرّك عزمي بشارة عبر المؤسّسات المعرفية التي شيدها برعاية قطرية أميرية من دون أن يمنح للدولة الراعية لمعهد الدوحة للدراسات العربية والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والموسوعة العربية ومعجم الدوحة التاريخي، فضل الدعم، لكنه بمكانته التي حافظ فيها على استقلالية فكره، أعطى المكان الذي رحّب به، خلاصة وعيه وفكره تجاه هوية الأمة وإمكانية النهوض بواقعها، عبر إحياء العقل وتطويع المال لخدمة الوعي الخالص من تجاذبات الأيديولوجيا، وهو بذلك يقدّم للعرب سلطة معرفية وقوة جديدة غير قوة النفط، واليوم باتت الدوحة مركزا للمعرفة العلمية الإنسانية التي طالما أهملها العرب.



