الذكاء الاصطناعي وسؤال القوّة… مَن يملك المستقبل؟

طلال أبو غزالة

حرير- تابعت باهتمام شديد تصريحات السيناتور الأميركي بيرني ساندرز عن التطوّر السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحذيره من أن يصل الأمر إلى مرحلة يفقد فيها البشر السيطرة على ما صنعوه بأنفسهم. قد يختلف المرء مع ساندرز في بعض تفاصيل الطرح، لكن من الصعب تجاهل سؤاله: “مَن يسيطر على هذه التقنية؟”، فالقصّة لم تعد قصّة آلة أكثر ذكاءً أو برنامجاً يستطيع أن يولّد نصّاً أو صورةً ويحلّل ويرسم ويكتب “كوداً برمجياً”، بل أصبحت قصة السلطة التي تأتي مع امتلاك هذه القدرة، وبالشركات والدول والأشخاص الذين يملكون المال والحوسبة والبيانات اللازمة لبناء النماذج الأقوى.

هنا يصبح القلق مفهوماً؛ فالذكاء الاصطناعي بُني على تراكم معرفي هائل صنعه البشر على مدى عقود طويلة: كتب ومخطوطات وأبحاث وأرشيف صحف، وصور وأعمال فنّية ولغات و”أكواد برمجية”، وملايين الصفحات التي كتبها أشخاص لم يتخيّلوا يوماً أنّ ما ينتجونه سيصبح جزءاً من أنظمة تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، وربّما هذه هي المفارقة التي تستحقّ التوقّف.

المعرفة التي أسهمت البشرية كلّها في إنتاجها أصبحت مادّةً أساسيةً لصناعة جديدة تتركّز ملكيتها في أيدي عدد محدود نسبياً من الشركات والأفراد، وهناك حديث عن أشخاص تضخّمت ثرواتهم بالمليارات بفضل الذكاء الاصطناعي. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت هذه الشركات قد ابتكرت تقنياتٍ مذهلة، فقد فعلت هذا، ولا يمكن إنكار حجم العمل العلمي والهندسي والاستثماري خلفها، لكن من حقّ البشرية أن تسأل أيضاً أين موقعها من هذه الثروة الجديدة. فالإنسان الذي أسهم، مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج هذا المخزون الهائل من المعرفة، قد يجد نفسه أمام تقنية دُرّبت على محتوى بشري واسع، ثمّ تعود إليه باعتبارها منتجاً تجارياً، وربّما تهدّد، في الوقت نفسه، جزءاً من العمل الذي كان يؤدّيه، كأن يكون كاتباً أو صحافياً أو محرّراً أو منتجَ تقارير تلفزيونية، في مؤسّسة قد تستعين لاحقاً بالذكاء الاصطناعي لتقليص عدد الكتّاب والمحرّرين والمنتجين، أو مبرمجاً يشارك في بناء عالم رقمي تصبح فيه البرمجة نفسها أكثر قابلية للأتمتة، أو فنّاناً يرى أعمالاً وأساليب بشرية تدخل في تدريب نماذج قادرة على توليد صور جديدة، وبدقّة متناهية، في ثوانٍ معدودة.

إذن، ليست المشكلة في أن تتطوّر التكنولوجيا، بل في أن تتطوّر أسرع من قدرة المجتمع على الاتفاق على قواعدها، وهنا أعتقد أنّ جوهر مخاوف ساندرز ليس في الذكاء الاصطناعي في حدّ ذاته، بل في الطريقة التي يمكن أن يتوزّع بها النفوذ حوله. إذا أصبحت القدرة على بناء أقوى النماذج محصورةً في شركاتٍ قليلة، فإنّنا لا نكون أمام ثورة تقنية فقط، بل قد نكون أمام تركّز جديد للقوّة الاقتصادية والمعرفية، وهذا أخطر من قصّة فقدان وظيفة هنا أو هناك، لأنّ من يملك التكنولوجيا يملك جزءاً متزايداً من القدرة على تحديد شكل الاقتصاد نفسه.

ومع هذا لا أرى أنّ الطريق يكون في معاداة الذكاء الاصطناعي أو محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فالتقنية لن تتوقف، ومن غير المنطقي أن نطالب الشركات والأفراد بالتخلّي عن أدوات يمكن أن تغيّر الطبّ والتعليم والصناعة والبحث العلمي وحياة الناس اليومية، لكنّ تركها تسير وحدها ليس حلّاً أيضاً.

قد نحتاج قواعد واضحة حول البيانات وحقوق ملكية المحتوى وحفظ الخصوصية، وربّما تنظيم تأثير الأتمتة في الوظائف والمسؤولية عن القرارات التي تتخذها الأنظمة، والأهم من ذلك كلّه مَن يملك القرار عندما تصبح الآلة أكثر تأثيراً في حياة البشر. وهذا هو معنى الحوكمة، فليست الحوكمة محاولةً لخنق التكنولوجيا، بل لمنع التكنولوجيا من أن تصبح أقوى من القواعد التي تحكمها. وقد تستحقّ التجربة الأوروبية المتابعة هنا. فقد اختار الاتحاد الأوروبي مساراً تنظيمياً أكثر تقدّماً في هذا المجال، قائماً على تصنيف المخاطر ووضع التزامات مختلفة بحسب طبيعة استخدام النظام وتأثيره في الإنسان والمجتمع. وفي المقابل، بقيت الولايات المتحدة أكثر اعتماداً على مزيج من التنظيم القطاعي والمبادرات التنفيذية والتشريعات المتفرّقة، أي إنّ الخلاف بين النموذجَيْن ليس تقنياً فقط، بل خلاف على السؤال نفسه: هل نترك السوق ترسم حدود الذكاء الاصطناعي، ثم نتدخّل عندما تظهر المشكلة؟ أم نضع بعض الحدود مسبقاً، لأنّ هناك أضراراً قد يكون علاجها بعد وقوعها متأخّراً جدّاً؟

تحتاج الدعوة إلى حظر الأنظمة التي تتفوّق على البشر، إلى التعامل معها بحذر، فالمشكلة ليست في كلمة “تفوّق” وحدها. فتفوّق الآلة في الحساب أو البحث أو تحليل البيانات لا يعني أنّها أصبحت صاحبة القرار في حياة البشر. يبدأ الخطر الحقيقي عندما تتحوّل القدرة التقنية إلى سلطة لا يملك المجتمع وسيلة حقيقية لمراقبتها أو محاسبة من يستخدمها، وهنا تعود المسألة إلى الإنسان.

إذن، الذكاء الاصطناعي في النهاية أداة، لكنّ الأداة تصبح مسألةً سياسيةً واقتصاديةً عندما يملكها بعضهم، ولا يملك الآخرون إلّا نتائجها، وهذا ما يجعل النقاش حول الذكاء الاصطناعي أكبر من وادي السيليكون، وأكبر من الشركات التي تتنافس اليوم في بناء النموذج الأقوى، أي إنّه نقاش حول الثروة والمعرفة والعمل ومن يملكها ومن يستفيد منها ومن يتحمّل ثمنها عندما تسوء الأمور.

لهذا قد يستحقّ تحذير ساندرز أن يُقرأ بطريقة أوسع من الخوف من آلة قد تتمرّد على البشر. فالخطر الأكثر واقعيةً في الوقت الراهن ليس أن يستيقظ الذكاء الاصطناعي ذات صباح ويقرّر السيطرة على العالم، بل الخطر أن يبقى العالم مستيقظاً، ويرى كيف تتركّز قوّة جديدة هائلة في أيدي قلّة، ثم يكتشف بعد سنوات أنّ القواعد التي كان ينبغي أن تحكمها لم تُكتب بعد. وهنا لا تكون المشكلة في أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح أذكى من الإنسان المكرَّم بعقله، بل المشكلة أنّ البشر ربّما سمحوا لمن يملكه بأن يصبح أقوى منهم.

مقالات ذات صلة