من يمتلك القمر؟

د. صبري صيدم

حرير- من مضيق ترامب بدل مضيق هرمز، إلى غرينلاند الأمريكية لا غرينلاند الدنماركية، مروراً بجزيرة أونتاريو الأمريكية لا الكندية، و»تقييف» خارطة إيران لتصبح على شكل رأس الرئيس الأمريكي نفسه، ومضيق أمريكا بدل مضيق بنما وغيرهم الكثير، يأخذنا ترامب من جديد إلى عالم تقليعاته وصرعاته ونرجسيته العجيبة والمتفاقمة، ليخرجنا هذه المرة من كوكبنا ويعلن على صفحته ملكية أمريكا للقمر.

فالرجل ليس ساذجاً إلى هذه الدرجة وإنما هو مقتنع بأن عظمة أمريكا قادرة على غزو الكون، وأن حظوة بلاده العسكرية والاقتصادية تمكنانه من أن يرى في «شطحاته» أموراً ممكنة التحقق، بل خطوات مشروعة وربما قابلة للتطبيق الفعلي على الأرض وخارجها حسب قناعته.

ترامب الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية، لن يقف عند «قفشاته» المتواصلة هذه، بل يريد وبأي شكل من الأشكال أن يوظف الأسابيع المتبقية قبيل الانتخابات المذكورة، في استعراض قوة بلاده وترويج هذه القوة على أنها أحد انجازاته، ونتاج شعاره: لنجعل أمريكا عظيمة من جديد، وما صاحبها من تنامي مجتمع يؤمن بهذه المقولة تحت مسمى «الماغا».

ترامب ليس غبياً ولا «درويشاً»، بل يكشف ببساطة وبوضوح وتجرد صورة أباطرة القوة في أمريكا ممن يرون في ترامب زعيماً للبشرية قاطبة، فيحرضوه على المزيد من التقليعات، عبر ثنائهم عليها وإطراءاتهم تجاهها. والمباهاة بترامب كزعيم مخلص لأمريكا في كل ما عمل ويعمل عليه.

«المصلحجية» الذين يطبّلون لترامب لا يعرفون بأن الناس أيضاً ليست ساذجة، وهي وإن كانت تتندر اليوم على «شطحاته» ، إلا أنها تعرف تماماً وفي قرارة نفسها بأن مواقفه المضحكة للبعض اليوم إنما تعبر أيضاً عن حنين حميم لماضٍ كانت فيه أمريكا الآمر الناهي الوحيد في العالم، خاصة مع وهن الاتحاد السوفييتي وسقوطه المريع ذات يوم، واحتكارها الفردي للقطبية الدولية.

أحادية القطبية الدولية هذه لم تعد أبداً أمراً قابلاً للتطبيق مهما أكثر ترامب من تهريجه، ونوازعه وهرطقاته خاصة مع تصاعد قدرات دولة وازنة كالصين وغيرها.

ومع تنامي هذا الحال يبقي ترامب على خطوطه مفتوحة في كل الاتجاهات، لتجد رجاله وأقرباءه ووسطاءه في تل أبيب والقاهرة وكييف وبكين وأنقرة والقائمة تطول، بحثاً عن حلول صعبة التحقيق ومنها وقف حرب أوكرانيا وترجمة خطة ترامب لغزة وإحكام السيطرة على نفط فنزويلا.

وفي خضم ازدحام الأجندة الدولية، لا ينسى ترامب أن يهاتف زعماء الدول مشدداً على أمن إسرائيل، كاتصاله برئيس وزراء بريطانيا أندي بيرنام ليحذره من مغبة اتخاذ إجراءات قاسية ضد المستوطنات والمستوطنين، بينما يدعي شجبه لاعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، ورفضه لضم الضفة الغربية، بل يوفد سفيره إلى قرية «ترمسعيا» الفلسطينية ليعيد التأكيد على ذلك، وليعود الأخير ومع كتابة هذه الكلمات وفي تناقض واضح لينتقد موقف بريطانيا من الاستيطان ويتهمها بمعاداتها للسامية.

ومع ذلك فإن مجريات الأمور على الأرض في فلسطين إنما تقول عكس ذلك، بل حتى التقليعات برمتها ايضا تقول ما يتنافى مع ذلك جملة وتفصيلا، في تعبير واضح عن استماتة ترامب وفريقه للفوز في الانتخابات النصفية المقبلة عبر استرضاء «لوبيات» الضغط الإسرائيلي على تعددها.

ترامب الحالم بملكية القمر، يبحث عن ذلك الفوز ليقدم فيما بعد وحسب البعض، خطته لخوض الجولة الثالثة من الانتخابات الأمريكية، رغم تعارض ذلك مع أحكام الدستور الأمريكي.

وعليه يبقى السؤال الأهم اليوم: هل سيظفر ترامب بالقمر إن حقق كل ما ذكر؟ وماذا سيفعل لو خدمته الأقدار فيخوض الانتخابات الأمريكية القادمة ويعود للبيت الأبيض، هل سيعلن ملكيته لكوكب المشتري بصفته أكبر الكواكب؟ أم يخرج البشرية خارج المجرة تماماً؟ ننتظر ونرى.

مقالات ذات صلة