
هكذا يؤكد بن غفير استراتيجية محو الوجود الفلسطيني
إحسان الفقيه
حرير- إيتمار بن غفير، قاطرة اليمين الإسرائيلي الذي يشغل منصب وزير الأمن القومي، أبرز الشخصيات الرسمية التي يتنامى نفوذها وتأثيرها على الصعيدين الشعبي والرسمي في دولة الاحتلال.
ذلك الرجل الذ،ي قدمته وسائل الإعلام الإسرائيلية من قبل باعتباره ناشطا ينتمي لأقصى اليمين، ويصعب تخيل وجوده في مواقع القرار الكبرى، يبرز اليوم في قلب السلطة ومركزها كأقوى شركاء نتنياهو، ويتبنى خطابا شعبويا ولغة صدامية بعيدا عن الحسابات التقليدية، ويملك القدرة على توجيه المزاج السياسي للشارع اليميني، حيث يبث رسائل مباشرة مرتبطة بالأمن والهوية الدينية والقومية.
بعد أن ترنم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوصل إلى خطة لإنهاء الصراع، وتشكيل مجلس السلام، الذي يتولى مسؤولية إحلال السلام في قطاع غزة، برز بن غفير ليؤكد أن السلام الذي تتحدث عنه الحكومات الرسمية في الشرق والغرب والمجتمع الدولي، ليس هو السلام من المنظور الإسرائيلي.
«بدلا من أوهام السلام، نحن بحاجة إلى إجراءات الهجرة الآن، بدلا من حفر الأنفاق، حان الوقت لحزم الحقائب». ذلك هو تصريح بن غفير في سياق عرض خطة فك الارتباط 710، القائمة على تهجير 1.86 مليون فلسطيني من قطاع غزة، وذلك ضمن حملته الانتخابية.
ففي الوقت الذي يجري الحديث عن السلام ومناشدة العالم للكيان الإسرائيلي بوقف الانتهاكات والتعاون مع مجلس السلام، لتطبيق بنود الخطة التي من ضمنها تسليم المقاومة سلاحها، يسمي بن غفير هذا المنحى (أوهام السلام)، ليقرر حقيقة أن الاحتلال لا يكترث برؤية العالم للسلام، ويمضي في طريق تحقيقه وفق مفهومه الخاص.
القول إن التصريح حيلة انتخابية بعيد عن الصواب، لأن الحديث عن تهجير سكان القطاع ليس جديدا، ولم ينفرد به بن غفير، فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صرح بدوره مؤخرا، بأن بلاده لديها خطط لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة، لكنها تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه، وأكد خلال مؤتمر استضافه موقع «واي نت» وصحيفة «يديعوت أحرونوت»، «أنه لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لغزة من دون هذه الهجرة». تزامنا مع هذا وتأكيدا على الاتجاه نفسه، صرح صرح رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بقوله، إن إسرائيل لن تنسحب من قطاع غزة». الأمر نفسه سبق أن طالب به الرئيس الأمريكي ترامب في نهاية يناير 2025، وبعدها بأيام كشف عن خطة تقضي بسيطرة الولايات المتحدة على غزة بعد تهجير الفلسطينيين منها إلى دول أخرى.
وصْف بن غفير محاولات إحلال السلام في فلسطين بأنها أوهام، لا يعبر عن وجهة نظر أحادية، بل عن توجهات عامة للسياسة الإسرائيلية في تحقيق مفهومها عن السلام، الذي يعني أنه لا وجود لدولة فلسطينية، بل هي إسرائيل وحدها.
بالنظر إلى ما يجري في الضفة ندرك بوضوح، أن إجراءات التهجير لا تتعلق بقطاع غزة وحده، وإنما هي اتجاه عام صوب إحداث نكبة جديدة بحق الفلسطينيين، فهناك سباق محموم لتجريد الفلسطينيين من مقومات الحياة في الضفة وخلق بيئة طاردة، عن طريق هدم المباني والمنشآت الخدمية والاقتصادية، وتدمير البنية الإنتاجية من منشآت زراعية وآبار وثروة حيوانية، ومحاصرة النمو الطبيعي للسكان، من خلال منع تراخيص البناء لمنع أي تمدد عمراني ما يجبر السكان على الهجرة، إضافة إلى تنامي بناء المستوطنات الإسرائيلية، وإطلاق يد المستوطنين المتطرفين في الاعتداءات المتكررة على فلسطينيي الضفة، الأمر الذي ترتبت عليه هجرة المئات من الفلسطينيين. هذه الإجراءات خاصة بناء المستوطنات، تقسم الضفة إلى قسمين، ما يجعل بناء دولة فلسطينية أمرا مستحيلا، لا سيما إذا أضفنا إلى ذلك خطة تهجير سكان قطاع غزة، التي تعد ركنا أساسيا في أي دولة فلسطينية محتملة.
بالعودة إلى رؤية بن غفير، نزداد إدراكا لمفهوم السلام لدى الإسرائيليين، فابن غفير يكشف خلال تدوينة له عن برنامجه الانتخابي: «أسعى إلى تعزيز السيادة في جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، وتشديد ظروف السجناء (الفلسطينيين) في السجون، وتنفيذ عقوبة الإعدام». ومع تصاعد الانتهاكات الصهيونية التي يعبئ ويجيش بن غفير الشارع الإسرائيلي لها بحق المسجد الأقصى، ومحاولات التهويد المتنامية والاقتحامات المتكررة، ومع الاتجاهات المتشددة في الكنيست إزاء الأسرى الفلسطينيين، ندرك تماما أن السلام بمنظور الاحتلال يقوم على استراتيجية محو الوجود الفلسطيني.
هذه الاستراتيجية كانت ماثلة في الذهنية الصهيونية حتى قبل قيام الدولة المزعومة، فلم يكن الصهاينة يسعون إلى وطن يشاركون فيه العرب، بل دولة خاصة بهم قابلة للتمدد، وكانت أسطورة «فلسطين أرض بلا شعب» بمثابة تمهيد لهذه الاستراتيجية، وما جرى بعد النكبة من تهجير الفلسطينيين وتدمير قراهم، وما تبعها من توسع بعد نكسة 67، هو ترجمة لهذه الاستراتيجية.
الاحتلال يعلم طبيعة الخطر الديمغرافي الفلسطيني، الذي يمثل تهديدا وجوديا له، فمن ثم يرفض فكرة دولتين في فلسطين، وذلك الكيان يدرك أن هناك عنصرين هما مادة بقائه، الدعم الغربي والغياب العربي، وهما عنصران قابلان للتغيير، فلا يضمن بقاءه في بقعة تضم دولتين إحداهما عربية والأخرى إسرائيلية. وفي سياق هذه التوجهات أقر الكنيست قانون القومية، الذي اعتبر أن إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي بما يحصر ممارسة حق تقرير المصير في فلسطين للشعب اليهودي وحده دون العرب.
التغيير الديمغرافي، ومنع وحدة الأراضي الفلسطينية ببناء المستوطنات، ودفع الفلسطينيين للهجرة، والاستهداف بالتصفية والاعتقالات، كلها أدوات يعمل من خلالها الاحتلال على محو الوجود الفلسطيني. الخطط المتتالية لإحلال السلام في فلسطين، وعقد المؤتمرات والمباحثات، ومناقشة قضايا الملف الفلسطيني، لا تتجاوز كونها حبرا على ورق، يمتزج في كتابتها التواطؤ الغربي والعجز العربي، وهي في حقيقة الأمر لن تمثل فارقا في ظل مضي الاحتلال في تنفيذ استراتيجيته التي لا يرى غيرها.
لقد آن الأوان للتفكير خارج إطار حل الدولتين الذي بحت من أجله الأصوات، ليس منطقيا أن يقر الاحتلال بأنه لا وجود لدولة فلسطينية ثم نظل في أحلامنا القديمة التي طوت حلم التحرير (فكرة حل الدولتين) التي أعلن الاحتلال كفره بها. ما لم يكن هناك تكتلات عربية وإسلامية حقيقية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها بشأن القضية الفلسطينية، فسوف تبقى كل الجهود مضيعة للوقت، وهو ما يستثمره الاحتلال جيدا في تنفيذ مخططاته، في ظل الغطاء الغربي والضعف العربي.



