
الانتخابات الفلسطينية… فرصة التغيير أو استمرار المراوحة؟
مصطفى البرغوثي
حرير- في ظلّ التحديات الخطيرة التي تواجهه، والحاجة الملحّة إلى استراتيجية وطنية كفاحية جديدة وشاملة، يبدو أنّ الشعب الفلسطيني بحاجة إلى انتخاب قيادة وطنية جديدة فاعلة لقيادة نضاله الوطني في بحر متلاطم من المؤامرات على حقوقه، أبرزها محاولات تنفيذ نكبة جديدة وتطهير عرقي ضدّه، أكثر من حاجته إلى انتخاب مؤسّسات سلطة مسلوبة الصلاحيات، وواقعة، مثل شعبها، تحت الاحتلال. ولذلك، لا يمكن فصل انتخابات المجلس التشريعي، باعتباره جزءاً من المجلس الوطني لمنظّمة التحرير الفلسطينية إلى جانب دوره التشريعي، عن إجراء انتخابات لبقية أعضاء المجلس الوطني في الداخل والخارج، وهي انتخابات يطالب بها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 20 عاماً، ولا يجوز أن يُستبدل بها التعيين الذي لن يؤدّي إلّا إلى المراوحة في المكان وإعادة إنتاج ما لم ينجح في تحقيق الوحدة الوطنية أو مواجهة التحدّيات.
يمكن للانتخابات الفلسطينية، إن جرت بشكل نزيه وديمقراطي، أن تحقّق ثلاثة أهداف: أوّلها استعادة البنيان الديمقراطي الذي تهشّم في السنوات الماضية، بأن يستبدل بحالة التفرّد والحكم بالمراسيم الفصل الحقيقي بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، لفتح الباب أمام تعدّدية ديمقراطية حقيقية في البنيان الفلسطيني تفتح الأبواب أمام الأجيال الشابّة، وتجدّد الدماء وتفعّل الطاقات، سواء على مستوى المجلس التشريعي، أو على مستوى المجلس الوطني، من خلال إشراك الفلسطينيين أينما كانوا في اختيار ممثّليهم وقياداتهم ورؤيتهم السياسية بالانتخاب الحرّ، وليس بالتعيين ونظام “الكوتا” الذي عفا عليه الزمن.
ثاني الأهداف، إنهاء حالة الانقسام الداخلي، وتوحيد البنيان الوطني عبر هيئات منتخبة ديمقراطياً، تضمّ الجميع من دون استثناء أو تمييز، وتعيد الاعتبار والقوّة إلى المؤسّسات الفلسطينية، وتسقط مؤامرة فصل قطاع غزّة عن الضفّة الغربية ومؤامرة فرض السيادة الخارجية والأجنبية على القطاع. وثالث الأهداف، أن تشكّل الانتخابات الديمقراطية، والإصرار على شمولها الضفّة الغربية والقدس وقطاع غزّة، نوعاً من المقاومة المدنية لإجراءات الاستيطان والضمّ والإرهاب الاستيطاني الإسرائيلي، وأداةً تؤكّد حقّ تقرير المصير، ووسيلةً لبناء المؤسّسات الوطنية الفلسطينية المستقلّة عن إجراءات الاحتلال والمقاومة للإملاءات والتدخّلات الخارجية التي تحاول تفكيك مقوّمات النضال الوطني الفلسطيني، أو إخراج قوى وطنية فلسطينية من البنيان السياسي الفلسطيني.
ربّما ظنّت بعض أطراف خارجية أنّ فرض شروط سياسية على الترشّح والمرشَّحين سيؤدّي إلى إخراج تلك القوى من الساحة، وهندسة نتائج الانتخابات قبل إجرائها، ولكنّ ذلك الظنّ فشل وخاب بسبب إصرار جميع القوى الفلسطينية على المشاركة في الانتخابات، وظهور مبادرات عديدة لتشكيل قوائم يجمعها هدف إحداث التغيير الحقيقي في حياة الشعب الفلسطيني، واستعادة الحقّ الديمقراطي في الانتخاب واختيار القيادات، وهو حقّ حُرم منه الشعب الفلسطيني أكثر من 20 عاماً.
ويمكن للانتخابات الفلسطينية، إن جرت في أجواء من الحرص على الوحدة الوطنية، والقبول بالتعدّدية وحقّ الجميع في حرّية الرأي والتعبير، أن تشكّل أداةً تنهي حالة الانقسام. ولتحقيق هذا، لا بدّ من تجنّب استقطاب حادّ جديد يعمّق الانقسام بدلاً من أن يزيله. ويرتبط هذا بأن تُبنى التحالفات على أسس مبدئية وسياسية واضحة، لا على المصالح الفئوية والفصائلية فقط.
هناك مخاطر عديدة تهدّد الانتخابات، أولها أنّ إسرائيل وأهمّ حلفائها لا يريدون إجراءها، ويسعون إلى عرقلتها لأنّها تتعارض مع مخطّطاتهم لتصفية القضية الفلسطينية، ولفصل غزّة عن الضفّة الغربية، وتحقيق نكبة التطهير العرقي. وقد تعرقل دولة الاحتلال الانتخابات بتعطيل القدرات اللوجستية اللازمة لتنفيذها، أو بتفجير الأوضاع الأمنية لمنع حدوثها، وذلك يتطلّب من لجنة الانتخابات المركزية استباق المخاطر ببدائل فعّالة لا تعيق سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها، كما يتطلّب تعاونَ جميع الأطراف المشاركة في تذليل العقبات المُصطنَعة. وفي جميع الأحوال، وأيّاً كانت الصعوبات، يجب التمسّك بمبادئ لا محيد عنها، هي: أولاً، رفض استبدال الانتخابات، سواء في الداخل أو في الخارج، بالتعيين. وثانياً، النظر إلى المصاعب بوصفها حافزاً للإصرار على إجراء الانتخابات، حتّى لو تأجّلت مدّةً محدودةً جدّاً لأسباب قاهرة، لا على إلغائها بأيّ حال من الأحوال. وثالثاً، يجب أن تشمل الانتخابات المجلسَيْن، التشريعي والوطني، وكذلك الانتخابات الرئاسية التي لا مبرّر لتأخيرها أو تأجيلها.
وإذا كانت هناك عبرة يجب الأخذ بها من تجارب الماضي، فهي أنّ النظام السياسي والمؤسّسات الوطنية تفقد طاقاتها وقدراتها، وتتعرّض للجمود والترهّل والتآكل، إن لم تُجدَّد دماؤها دورياً بانتخاباتٍ تتكرّر في موعدها. لسنا بحاجة إلى ضغوط خارجية أو منّة من أحد لإجراء الانتخابات، فهي حقّ طبيعي للشعب الفلسطيني الذي يدين له القادة والفصائل والسياسيون بكلّ ما لديهم. فلولا نضاله وعطاؤه وتضحياته، لاندثرت القضية الفلسطينية، واختفت المقدّرات التي يُتنازَع عليها، للأسف. وقد آن أوان ترسيخ القناعة بأنّ المناصب والمراكز القيادية وظيفتها خدمة الشعب، وليست التسيّد عليه أو استغلال مقدّراته.



