عندما تفتح الذاكرة درجًا من تلقاء نفسها، وتخرج منه نادية نور وجهًا كنت تظن أنك نسيته منذ الستينيات.

بقلم إبراهيم أبوذكري

كانت نادية نور مطربة من مطربات الستينيات.

كنا وقتها شبابًا في العشرينيات، لا سقف لشغفنا بالعمل، ولا حدود لحبنا للفن والصحافة، ولا نعرف أن الأيام التي نعيشها بكل هذا الاندفاع ستصبح يومًا ذكريات بعيدة، نبحث عنها في أعماق الذاكرة.
التقيت نادية في مكتب زميلي وصديقي المصور أحمد عبد العزيز، بعد رحلة حب وصداقة ثم زواج جمعها بالصحفي فاروق عبد السلام، الذي كان أيضًا صديقًا لي.
ولا أعرف لماذا تذكرتها اليوم…
هكذا، فجأة، ومن دون موعد، خرج اسم «نادية نور» من مكان بعيد في الذاكرة، مكان ظننت أن الزمن أغلق أبوابه عليه منذ أكثر من ستين عامًا.
جلست أستعيد ملامحها، صوتها، حضورها، وطريقتها في الحديث، فإذا بالذاكرة لا تستعيد إنسانة واحدة، وإنما تستعيد زمنًا كاملًا.
كنت يومها أعمل في «أخبار اليوم»، وكانت نادية من سكان منطقة التوفيقية، القريبة من الجريدة.
وكان بيتها في أحد الأدوار العليا، أشبه بصالون ثقافي صغير، اجتمعنا فيه أكثر من مرة. كانت تحلم بالصعود، وكانت ترى أن الفن ليس مجرد موهبة، وإنما طريق طويل يحتاج إلى الإصرار والعلاقات والصبر.
وأتذكر يومًا كانت تعرض فيه أغنية على التليفزيون.
كنت وقتها أعمل وأدرس في الكلية، وكانت أحيانًا تطلبني هاتفيًا في المنزل.
وفي أحد الأيام، كان هناك نقاش بيني وبين شقيقي الأكبر، الذي كان نقيبًا في الجيش.
بعد وفاة والدي، كان إخوتي الصبيان يتعاملون معي وكأن كل واحد منهم أصبح والدي ومسؤولًا عني.
وجاء اتصال نادية في ذلك اليوم في توقيت لم يكن مناسبًا تمامًا.
وكان أحمد عبد العزيز، صديقي وزميلي في العمل، على خلاف معها في تلك الفترة.
وكان أولاد شقيقي، أحمد رفعت، يقولون لهم:
«ابعدوا عن التليفزيون علشان نشوف حبيبتكم اللي معطلاكم عن المذاكرة!»
ولم يكن شقيقي يعرف أن نادية لم تكن بالنسبة إليّ مجرد «حبيبة» أو علاقة عابرة، وإنما كانت صديقة تشكو لي أحيانًا من خلافاتها مع صديق مشترك، وتبحث عندي عن مساحة آمنة للكلام.
كانت تحب.
وبقدر شغفها بالطرب، كانت تعيش الحب بكل جوارحها.
كانت مبهورة بصورها، وبالأخبار التي كنت أكتبها عنها في صفحة «أخبار الناس»، التي كنت أتولى سكرتاريتها، ولذلك كانت تتردد على مكتبي من وقت إلى آخر، تطلب مساعدة صحفية، أو تبحث عن كلمة، أو تحاول أن تجد طريقًا إلى خبر أو مساحة جديدة في عالم الفن.
كانت الشهرة بالنسبة إليها حلمًا حقيقيًا.
وكانت تعرف أن الخبر الصحفي يمكن أن يصنع حضورًا، وأن الصورة يمكن أن تثبت اسمًا في ذاكرة الجمهور.
ولم تكن بالنسبة إليّ مجرد مطربة أعرفها من بعيد، وإنما كانت صديقة قريبة، وكانت بيننا مساحة من الثقة جعلتها تتحدث معي عن بعض تفاصيل حياتها بعيدًا عن عيون الصحافة.
واليوم، وأنا أبحث عن اسمها بعد كل هذه السنوات، اكتشفت كم ظلم الزمن بعض نجوم تلك المرحلة.
فالمصادر المتاحة اليوم لا تقدم عن نادية نور إلا القليل، رغم أن اسمها ارتبط بالغناء والتليفزيون، بل وصل إلى تعاون فني مع الموسيقار الكبير محمد القصبجي في أغنية «أنا كنت أفكر فيك».
وهنا أشعر أن هناك فارقًا كبيرًا بين ما تحفظه الأوراق وما تحفظه الذاكرة.
الأوراق تحفظ الاسم… أما الإنسان فتحفظه القلوب.
وأنا أتذكر الإنسانة قبل الفنانة.
أتذكر حرصها الشديد على حياتها الخاصة، وربما كان ذلك جزءًا من طبيعة ذلك الزمن.
كان نجوم الغناء والسينما في الستينيات يعيشون داخل خيال الجمهور بطريقة مختلفة تمامًا.
كان المطرب بالنسبة إلى الشاب أكثر من صوت جميل؛ كان أحيانًا فارس أحلامه.
وكانت المطربة بالنسبة إلى الفتاة أكثر من وجه جميل؛ كانت فتاة أحلامها.
كان الحب الجماهيري للنجوم شخصيًا إلى حد بعيد.
وكان الشباب يغارون على المطربة التي يحبونها، كما يغار الشاب على فتاة أحلامه، وكانت الفتيات يفعلن الشيء نفسه مع نجوم الغناء والسينما.
ولهذا كان إعلان الزواج أحيانًا يحمل شيئًا من الصدمة.
فحين يعرف المعجب أن مطربه أو مطربته المفضلة أصبحت زوجة أو زوجًا، يشعر، ولو للحظة، أن الحلم الذي كان يملكه وحده أصبح له عنوان آخر.
ولذلك كانت بعض الزيجات تتم بعيدًا عن الأضواء.
وكأن السرية في ذلك الزمن أصبحت، عند بعض النجوم، جزءًا من الحفاظ على الصورة.
وكانت نادية واحدة ممن كن شديدات الحرص على ألا تتحول حياتها الخاصة إلى مادة للجمهور.
وأتذكر في حياتها أنها تزوجت فترة من الصحفي فاروق عبد السلام، وكان صديقًا لي، ثم انتهى الزواج بالطلاق.
وبعد ذلك ارتبط اسمها بخطبة للمصور أحمد عبد العزيز، مصور «أخبار اليوم».
وأنا هنا لا أريد أن أضع ذاكرتي في ثوب الوثيقة التاريخية.
فما أقوله هو ما بقي في ذاكرتي بعد أكثر من ستين عامًا.
والذاكرة شيء عجيب.
ليست أرشيفًا مرتبًا في أدراج.
إنها صندوق غامض، تختلط فيه الصور بالأصوات، والأماكن بالوجوه، والضحكات بالأحزان.
تضع فيه الحياة كل شيء، ثم تغلق عليه.
وبعد عشرات السنين، تفتح الذاكرة درجًا من تلقاء نفسها، وتخرج منه وجهًا كنت تظن أنك نسيته.
وربما لهذا السبب أسأل نفسي منذ الصباح:
لماذا تذكرت نادية نور اليوم؟
لماذا لم أتذكرها أمس؟
ولماذا لم تظهر صورتها في ذهني منذ سنوات؟
هل الذاكرة تختار توقيتها بنفسها؟
أم أن الإنسان، كلما تقدم به العمر، بدأ يعود إلى الوراء بحثًا عن أشياء تركها هناك؟
الغريب أنني حين بدأت أتذكر نادية، لم تتوقف الذاكرة عندها.
جاءت معها «أخبار اليوم»…
وجاء معها المكتب…
وجاءت التوفيقية…
وجاء أحمد عبد العزيز…
وجاء فاروق عبد السلام…
وجاءت وجوه الصحفيين والمصورين والفنانين…
وجاء زمن كانت فيه الجريدة بابًا يدخل منه الناس إلى عالم الصحافة.
كان الصحفي يعرف الفنان لا من خلال شاشة الهاتف، وإنما من خلال لقاء، وزيارة، وجلسة، وحكاية.
كان للفن رائحة.
وللصحافة روح.
وللصداقة معنى آخر.
وكانت الأيام، رغم بساطتها، ممتلئة بالحياة.
اليوم أبحث عن صورة لنادية نور.
أريد أن أرى إن كانت الصورة ستعيد إليّ وجهها كما عرفته، أم أن السنوات ستتدخل بين عيني وبين ملامحها.
ربما أجد الصورة في أرشيف قديم.
وربما لا أجدها.
لكنني اكتشفت شيئًا أهم من الصورة.
اكتشفت أن الإنسان لا يموت تمامًا ما دام هناك من يتذكره.
قد تختفي أغانيه من الإذاعة، وقد تسقط أخباره من الصحف، وقد لا يعرف الجيل الجديد اسمه، لكن يكفي أن يخرج الاسم ذات صباح من ذاكرة رجل عرفه منذ أكثر من ستين عامًا، حتى يعود للحظة إلى الحياة.

ولأنني حين تذكرت نادية نور اليوم لم أرد أن أكتفي بما تحفظه ذاكرتي، حاولت أن أفتش عن اسمها في الأوراق القديمة، فوجدت أن اسمها الحقيقي كان عواطف شلتوت، وأنها كانت تغني باسمها الفني «نادية نور»، وورد اسمها ضمن مطربي تلك المرحلة في سجلات أجور الفنانين، وكانت تتقاضى خمسة وثلاثين جنيهًا.

وربما كانت أجمل مفاجآت البحث أن اسم نادية نور ارتبط بالموسيقار الكبير محمد القصبجي، الذي لحن لها أغنية «أنا كنت أفكر فيك»، من كلمات إمام الصفطاوي، وسُجلت للتليفزيون المصري، لكنها بقيت حبيسة الأرشيف ولم تأخذ حظها من الانتشار الذي تستحقه.

وهنا تتوقف الذاكرة قليلًا أمام الأوراق.

فأنا أتذكر نادية الإنسانة التي كانت تزورني في «أخبار اليوم»، وتجلس وتتحدث وتحلم وتحب، بينما تخبرني الأوراق اليوم أن خلف تلك المرأة التي عرفتها شخصيًا صوتًا غنائيًا وصل إلى واحد من كبار ملحني مصر.

وهذا هو الفرق بين التاريخ الذي تحفظه الكتب، والتاريخ الذي تسكنه الذاكرة.

الكتب تقول لنا: عواطف شلتوت… نادية نور… مطربة… خمسة وثلاثون جنيهًا… لحن من محمد القصبجي.

أما ذاكرتي فتقول:

كانت هناك امرأة اسمها نادية نور، عاشت بيننا، ضحكت معنا، أحبت، اختلفت، حلمت، وطرقت ذات يوم باب مكتبي في «أخبار اليوم».

وبين الاثنين… تولد
وهذا ما حدث اليوم مع نادية نور.
لم أكن أبحث عنها في البداية.
هي التي جاءت تبحث عني في ذاكرتي.
وربما لهذا السبب لا أعرف حتى الآن لماذا تذكرتها اليوم.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أن الماضي لا يرحل كما نعتقد.
إنه ينام فقط.
ثم يستيقظ فجأة، في لحظة لا نعرف سرها، ويجلس معنا على مقعد الحاضر،
نظر إلينا طويلًا، ثم يقول:
أما زلت تذكرني؟

 


عندما تفتح الذاكرة درجًا من تلقاء نفسها، وتخرج منه نادية نور وجهًا كنت تظن أنك نسيته منذ الستينيات.

مقالات ذات صلة