
بين تماسيح بن غفير والحيوانات البشرية
د. صبري صيدم
حرير- لم يعد الاستغراب سيد الموقف في المشهد الإسرائيلي، بل بات السؤال: إلى أي مدى يمكن أن تنحدر اللغة والسياسات والمواقف والقرارات قبل أن تصطدم بما تبقى من القانون الدولي والأخلاق؟
فقد أُثيرت مؤخرا ضجة واسعة أقرب إلى السخرية، عقب تداول خطة ما يسمى بخطة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، التي تقضي بنشر تماسيح في محيط السجون التي يُحتجز فيها الأسرى الفلسطينيون، في خطوة وُصفت بأنها تتجاوز حدود الردع، إلى صناعة مشهد يقوم على الترهيب والاستعراض، بل العودة بالبشرية إلى قرون غابرة وعصور الظلم والظلمات.
لكن القضاء الإسرائيلي، وحسب آخر ما رشح عنه، كان قد أوقف ما أُعلن، عبر رد فكرة بن غفير، استنادا إلى عدم قانونية استخدام الحيوانات لأغراض عدائية، لتدخل الخطة في مواجهة مباشرة مع النصوص القانونية، لا مع الضمير الإنساني فحسب. غير أن الرفض لم يُنهِ الحكاية، إذ برزت محاولات لاستئناف القرار، والسعي إلى استثناء التماسيح من حظر العدائية المزعوم، ويسمح بتنفيذ الفكرة، بما يعكس إصرارا على تحويل العبث إلى سياسة، والاستفزاز إلى برنامج عمل، وكأن المشكلة تكمن في النص القانوني، لا في الفكرة نفسها. قرار ثارت معه حفيظة بن غفير، وإحدى الوزيرات في حكومة الاحتلال، فسعيا إلى مواجهة القرار القضائي، خاصة بعدما بدأت عمليات الحفر حول أحد السجون الإسرائيلية. المفارقة أن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان التصريحات التي نُسبت إلى وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، عندما وصف الفلسطينيين بـ»الحيوانات البشرية»، وهي تصريحات أثارت إدانات واسعة، وأصبحت جزءا من النقاش القانوني والسياسي العالمي، ومحوراً من محاور الاتهامات الموجهة إلى مسؤولين إسرائيليين، أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي بموجبها وبموجب كل ما فعله غالانت في غزة، صدرت مذكرة اعتقال له من قبل المحكمة المذكورة. فاللغة ليست مجرد كلمات عابرة والصورة لا تمحى من أذهان البشرية؛ بل يتحول كليهما إلى مقدمة لخطوات قانونية، قد تصبح دليلا على ذهنية ترى في الآخر كائنا منزوع الإنسانية، بما يفتح الباب أمام تبرير انتهاكات لا يقبلها قانون ولا عقل ولا ضمير.
واليوم، يبدو أن المشهد يحمل مفارقة أخرى. فغالانت نفسه تحدث في الآونة الأخيرة أمام إحدى لقاءات «البودكاست» عن تجربة شخصية قال فيها، إن عائلة فلسطينية من يافا كانت قد احتضنت عائلته في ظروف صعبة إبان النكبة، فتقاسمت معهم البيت والطعام، في شهادة تعكس وجها مختلفا للفلسطيني الذي حاولت بعض الخطابات الرسمية تجريده من إنسانيته، بعدما سلبت ممتلكاته وهجر من أرضه. وهنا يبرز السؤال: هل هي صحوة متأخرة لحقيقة كانت معروفة؟ أم محاولة لإعادة صياغة الخطاب في ظل الضغوط القانونية والسياسية؟ وهل يأتي هذا التحول اتقاءً لتبعات المساءلة الدولية ومحاولة لإسقاط مذكرة الاعتقال الصادرة عن محكمة الجنايات الدولية، أم استجابة لحسابات انتخابية داخلية، أم مزيجا من الاثنين؟ إن القضية تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الخطاب ذاته. فمن يبدأ بوصف البشر بالحيوانات، قد ينتهي إلى التفكير في استخدام الحيوانات أداةً في التعامل معهم. وبين الوصف والممارسة خيط رفيع، لكنه شديد الخطورة، لأنه يختزل الإنسان في صورة تهدم أسس العدالة وتنسف قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، يظل الفلسطيني، رغم ما يواجهه من احتلال وعدوان، حاضرا في شهادات كثيرة بوصفه صاحب الأرض، الذي لم يفقد قيمه الإنسانية، حتى في أحلك الظروف. وما بين خطاب يحاول نزع الإنسانية، وواقع يعيد إثباتها كل يوم، تتكشف الحقيقة بعيدا عن الضجيج.
إن التاريخ لا يحفظ فقط ما تفعله الجيوش، بل يحفظ أيضا ما تقوله الألسن ويصدره الساسة ورجال العسكر وأرباب الجيوش. والكلمات التي تُقال في لحظة غضب أو استعلاء، قد تتحول إلى وثائق تُقرأ في المحاكم، وإلى شواهد على عقلية كاملة. أما الإنسانية، فلا تحتاج إلى محكمة لتثبت وجودها؛ يكفي أن يرويها من عاشها، وأن يشهد بها من حاول يوما إنكارها.
وبين تماسيح تُراد لترهيب السجناء، وخطابٍ ينزع عن الإنسان إنسانيته، تبقى الحقيقة أكثر بساطة وعمقا: لا يمكن لأي مشروع قائم على الإذلال أن ينتصر على قيم العدالة، ولا لأي خطاب يحرض على الكراهية أن يصمد طويلا أمام ذاكرة الشعوب وعدالة التاريخ، فهل وصلت الرسالة؟ ننتظر ونرى.



