المبادرة الأوروبية في لبنان بين التصور والواقع

بيير لوي ريمون

حرير- يرى مراقبون أن بعض التفاصيل خرجت يوم السبت الماضي عن المبادرة الفرنسية الألمانية الخاصة بلبنان، المتعلقة بقوات أوروبية تحل محل قوات اليونيفل الأممية، لكن الموضوع يطرح أسئلة أكثر مما يوفر إجابات، وربما أمكن لنا بداية مباشرة التحليل بكلمة مفتاحية تمثل قاعدة أساسية لا يقوم من دونها بنيان متماسك الأركان، ولا صرح صامد في وجه التقلبات الجيوسياسية الراهنة. هذه الكلمة، هي كلمة مراحل.

ليس هناك حتى الآن قرار أوروبي، ولا خطة عسكرية مدروسة ولا آلية تم تبنيها، فالمبادرة ليست قرارا ولا هي خطة، أقل ما يمكن القول عنها إنها خطوة.

لكن في المقابل نعم.. هناك أهمية بالغة لمنع التصعيد الإقليمي، وسد الفراغ الأمني الذي قد ينتج عن انسحاب قوات اليونيفل، الذي تم الإقرار به أصلا. لكن سياسة الدفاع الأوروبية لا يمكن لها إلا أن تنطلق وتتطور وتتجذر من أوروبا نفسها. البعد الإقليمي امتداد ولا يمكن أن يكون انطلاقا، فلا المساعدات المقدمة على الجبهة الأوكرانية، ولا التصريحات، حتى لو تم إدراجها فعلا في خانة المشاريع الحميدة لدعم الجيش اللبناني، يمكن إرجاعهما إلى تطبيق وامتداد لسياسة قائمة أصلا، لأن تلك السياسة ليست قائمة أصلا.

عودة الى تاريخ الاتحاد الأوروبي، وتحديدا إلى نشأته، تسمح لنا بإدراك عمق المسألة، حين نتذكر أن محرك الاتحاد العضوي هو، جمع الطاقات والكفاءات لتنفيذ مشاريع جماعية تتحول إلى سياسة. ولنا في هذا المضمار مثال حي يتركز في الطبيعة الاقتصادية الأصلية للاتحاد. ففي سنة 1952، تم تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب، بهدف منع العودة إلى حرب جديدة بين فرنسا وألمانيا. ومر تنفيذ الهدف أولا عبر جمع ودعم صناعات الفحم والصلب بين البلدين، في سبيل تقليص كلفتها، ضمن خطوة متكاملة تؤدي إلى تحديثها. هكذا تم تصميم «خطة شومان» لإنهاء خطر امتلاك ألمانيا القوة الاقتصادية لوحدها لشن حرب أخرى. هكذا نشأت سوق الفحم والصلب المشتركة والتي انضمت إليها أيضا إيطاليا، وما كان يسمى حينها بدول البنلوكس (بلجيكا، هولندا، واللكسمبورغ). لكن ما تم اقتصاديا لم يتم دفاعيا، فإلى الآن، يعاني الاتحاد الأوروبي من تلك الشوكة التي زرعها في خاصرته، فشل معاهدة إنشاء جماعة الدفاع الأوروبية التي وئدت في مهدها بعد الاعتراض (الفرنسي) على إعادة تسليح ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. كان المقصود تشكيل بنية دفاعية لعموم أوروبا كبديل للانضمام المقترح من ألمانيا الغربية الى الناتو، حينها يتم تسخير الإمكانات العسكرية الألمانية في حالة الصراع مع الكتلة السوفييتية. حينها كان سيرى النور نظام دفاعي أوروبي مستقل، إلا أن الخيار الذي تم تبنيه، والذي لا يزال معمولا به حتى الآن، ذهب إلى وضع القوة الدفاعية الأوروبية تحت سقف حلف شمال الأطلسي، الذي كانت قيادته ستتولى أمرها في كل الأحوال، حتى في حال تنفيذ المعاهدة غير المصدق عليها.

جوهر الموضوع إذن أن القيادة المسلحة الأوروبية لم يتم تصورها أصلا كقيادة مستقلة، فيما تستدعي كل خطوة تخطوها دولة أوروبية مقاربة من منطلق قابلية التنفيذ على أساس تعاون أوروبي مشترك وليس تحركا منفردا.. المفارقة هنا.

صحيح أن فرنسا أطلقت مبادرة تعويض اليونيفل، وقد تحدث الرئيس الفرنسي عن امتداد الفكرة إلى قوة دولية، ثم تحدثت فرنسا وإيطاليا عن «قوة متعددة الجنسيات»، ثم تحدث وزير الخارجية الألماني جوهان وادبهول عن المضي قدما في دراسة «تفويض أوروبي» بخصوص لبنان يحل محل اليونفل. فرنسا قادرة على قيادة المبادرة، لكن أين وسائل التنفيذ؟

المعوقات الأساسية تكمن أولا في الصعوبات التي تجدها أوروبا في تأسيس مشاريع متماسكة تنطلق من الأرضية الأوروبية نفسها، كإنشاء مجموعة دفاعية أوروبية. وفعلا، ستضاف لاحقا مسألة انكشاف الغطاء الأممي وضرورة سد الثغرة التي سيخلفها بقيام منظومة دفاعية أوروبية متكاملة «قابلة للتصدير». وهنا، صحيح أن البعد الإقليمي سيفرض سياقا استراتيجيا خاصا، وفق معاييره الخاصة، لكن طالما أن منظومة دفاعية أوروبية مستقلة لا تتشكل على مستوى القارة، كل خطوة ذاهبة في إرساء منظومة دفاعية تتفرع عنها، ستصطدم أصلا بعقبة تمثل أولوية تناط بها كل المبادرات الفرعية اللاحقة.

انعقد المجلس الدفاعي الفرنسي الألماني للأمن والدفاع، يوم السبت الماضي وتمت فيه مناقشة موضوع الأمن الأوروبي والإقليمي في المنطقة الأوروبية والأطلسية خاصة على ضوء التعاون الفرنسي الألماني في المجال الإقليمي. وعن لبنان، اكتفى المجلس بعرض مختصر للمبادرة الأوروبية، أو بالأحرى الفرنسية الألمانية حاثا على «تشجيعها، ومناقشتها».

أما عن التمويل، فلم يتم التطرق إلى الأمر البتة. كل ما هو معروف، قابلية استفادة «منظومة الدفاع» الأوروبية بشكل عام من «صندوق الدفاع الأوروبي» و»البرنامج الأوروبي من أجل صناعة الدفاع الأوروبية»، في سياق ما يسمى بـ»الإطار المالي متعدد السنوات»، أي آلية تمويل هيئة العمل الخارجي التابع لمذكرة المفوضية الأوروبية. فهل ستدخل المبادرة الفرنسية الألمانية وربما الإيطالية في لبنان ضمن سياق التمويل هذا؟ موضوع يحمل أكثر من علامة استفهام مثله مثل مواضيع أخرى عديدة.

لن يجادل أحد نظريا في أهمية إنشاء قوة دفاعية في لبنان تجعلها مميزة عن اليونفيل، كآلية تتمتع بكامل الاستقلالية في القرار وبعتاد عسكري ودفاعي متطور بأحدث التجهيزات. فقد اشتكى كثيرون من أن قدرة اليونفيل على التدخل الفوري محدودة أساسا لفقدان نوع من «الانسيابية والفورية في سلاسل القيادة»، ولن تكون القوة الأوروبية الداعمة المزمع إنشاؤها في لبنان فاعلة وعملية، إلا إذا تميزت بسرعة التنفيذ. لكن، هل وصلت المنظومة الدفاعية الأوروبية فعلا إلى هذا المستوى من السلاسة العملية والتطور التقني؟ أشك في ذلك. لكن مرة أخرى، الأيام بيننا.

مقالات ذات صلة