
تنظيم العمل المهني بين البيروقراطية والحقوق والحمايات
المحامي حماده أبو نجمة
لا يختلف اثنان على أن قطاع العمل المهني والحرفي يعاني منذ عقود من عشوائية وتشتت يلقيان بظلالهما على جودة الخدمات وحقوق متلقيها على حد سواء، من هذا المنطلق تبدو مراجعة البيئة التشريعية عبر “مشروع قانون تنظيم العمل المهني لسنة 2026” خطوة تنظيمية ضرورية ومستحقة لإعادة ضبط السوق، إلا أن التدقيق في تفاصيل هذا المشروع المثير للجدل يكشف عن فجوة عميقة بين النوايا التنظيمية الرسمية والواقع المعيشي المعقد لفئات واسعة من الحرفيين الكادحين في ورشهم ومحلاتهم.
فنجاح أي تشريع تنموي لا يقاس بمدى صرامة نصوصه إنما يقاس بقدرته على تحقيق معادلة عادلة تتوازن فيها الواجبات والمكتسبات، ولسوء الحظ يظهر حين نتمعن في مسار التشريعات المهنية المتعاقبة في الأردن عن ثبات فلسفة تشريعية قاصرة ترى أن الهدف من تنظيم السوق يبدأ وينتهي عند “حماية متلقي الخدمة”، في حين تتغاضى تماماً عن الطرف الأكثر ضعفاً في هذه المعادلة وهو المهنيّ نفسه.
هذا الانحياز الفلسفي جعل القانون الحالي يوجه ترسانته نحو الرقابة والمخالفات والرخص والتصنيفات مغفلاً بالكامل جانب الحمايات والحقوق العمالية،
حيث تتجه الأنظار اليوم بقلق مشروع نحو مخرجات هذا القانون خشية من أن تتحول إجراءاته التنظيمية إلى أداة تضييق بيروقراطية تخنق أصحاب المهن، فاشتراط الحصول على رخص مزاولة إجبارية متداخلة مع رخص المهن والبلديات يهدد بفرض كلف مالية وإجراءات شكلية معقدة لا تخدم سوى الدورة المستندية الرسمية، هذا التعقيد لن يؤدي إلى تنظيم “القطاع غير الرسمي” وقد يدفع الحرفيين البسطاء إلى تعميق واقعهم غير الرسمي وغير المنظم والانزواء بعيداً عن أعين الرقابة هرباً من “مقصلة” الغرامات وشروط النوافذ التنسيقية المتعددة.
الخطورة الكبرى تكمن في أن الشريحة الأوسع من المهنيين والحرفيين في الأردن (من ميكانيكيين، ونجارين، وحدادين، وفنيي صيانة) تمثل قاع الهرم الاقتصادي؛ وهي فئات هشة بطبيعتها تفتقر إلى الأمان الوظيفي وتعيش على دخل المياومة المتذبذب، وعندما يأتي قانون من هذا الوزن ليركز فقط على تحميلهم المسؤوليات والالتزامات دون أن يمنحهم حافزاً واحداً فمن الطبيعي أن يقابل بالوجل والتوجس، فالقانون لا يلتفت مطلقاً إلى شمول هذه الفئات بمظلات الحمايات الاجتماعية أو الصحية، ولا يقدم لهم تسهيلات في هذا الشأن من أي نوع كما أنه لا يحمل أي وعود بتحسين بيئة وظروف العمل الصعبة.
فالحرفي الأردني اليوم لا يرى في هذا القانون سوى عبء مالي وإداري جديد يضاف إلى أثقاله الاقتصادية دون أن يلمس أي مكتسب يحميه في حال العجز أو الشيخوخة أو الركود، ولكي لا يخرج هذا التشريع مشوهاً يتعين على صناع القرار إعادة توجيه بوصلته التشريعية.
التنظيم ضروري لكن يجب أن يترافق مع حزمة حوافز ومكتسبات وضمانات مشجعة يبدأ ذلك بتبسيط وتسهيل إجراءات المزاولة والربط العضوي بين تنظيم المهن وتوفير مظلة أمان اجتماعي مدعومة للحرفيين، والأهم من ذلك هو الخروج من أروقة الصالونات وغرف الصناعة والتجارة الكبرى والاستماع المباشر لأصوات أصحاب الورش في المحافظات والقرى، فلن يستقيم قانون يصاغ بعقلية الجباية والرقابة الشكلية ويتناسى إنسانية وحقوق الفئة المستهدفة بتنظيمه.



