
لبنان بين واشنطن والشرعية الدولية
يقظان التقي
حرير- تُظهر المحادثات اللبنانية الإسرائيلية تقدّماً بطيئاً في جولتها السادسة في روما، حيث اتُّفق على هيكلية ومبادئ توجيهية لتنفيذ “مناطق أمنية تجريبية” تتولّى فيها وحدات الجيش اللبناني مسؤولية السيطرة في الجنوب. ويعوّل لبنان على أن تشكّل زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دفعةً إضافيةً لمسار اتّفاق الإطار الذي أُنجز في 26 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، بما يفتح الباب أمام تنفيذ خطّة تقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية مقابل معالجة ملفّ سلاح حزب الله، مع السعي إلى فصل هذا المسار عن المفاوضات الأميركية الإيرانية المتعثّرة، وعدم إبقاء مستقبل لبنان رهينة نتائجها.
وتأمل الحكومة اللبنانية في استثمار الزخم الذي قد توفّره الزيارة إلى البيت الأبيض لإقناع واشنطن بممارسة ضغط أكبر على حكومة بنيامين نتنياهو، وعدم تكرار الفرصة الضائعة التي أعقبت اتفاق 27 نوفمبر (2024)، عندما بقيت التفاهمات من دون تنفيذ فعلي. فالرهان اللبناني يقوم على تحويل اتّفاق الإطار إلى مسار تنفيذي يؤدّي إلى انسحاب القوّات الإسرائيلية الفعلي، ووقف القصف والقتل والدمار، إلّا أنّ نجاحه يبقى رهناً بمدى التزام أطراف الحرب، التي لم تكن الدولة جزءاً منها، وبالتوازنات الإقليمية التي ما زالت تتحكّم في مصير المنطقة.
ويعيش لبنان مرحلة انتظار طويلة في ظلّ حرب إقليمية مفتوحة، وأزمة داخلية، سياسية واقتصادية واجتماعية، خانقة، تعمّقها الانقسامات الطائفية والمذهبية. لذلك، تبدو المرحلة الحالية مفصليةً، ليس لأنّها قد تؤسّس لوقف الحرب فحسب، بل لأنّها قد ترسم شكل العلاقة المستقبلية بين بلدَين عدوَّين لا يزالان، من الناحية القانونية، في حالة حرب منذ نحو ثمانية عقود من عمر القضية الفلسطينية.
غير أنّ إسرائيل لا تزال تشترط استكمال الترتيبات الأمنية قبل أيّ انسحاب، فيما يُعلن مسؤولون فيها صراحةً نيّتهم الإبقاء على وجود عسكري طويل الأمد في جنوب لبنان، مع رفض أيّ انسحاب تدريجي أو ترتيبات تسمح ببقاء حزب الله في المناطق التجريبية. وفي المقابل، يرفض الحزب المفاوضات المباشرة، ويؤكّد أنّه غير معني بأيّ التزام يقود إلى نزع سلاحه. وهكذا، يبدو المشهد اللبناني، كما المشهد الإقليمي، وكأنّه يعيش مرحلة “اللعب في الوقت الضائع”، بانتظار إعادة رسم موازين القوى وحدود النفوذ في المنطقة.
لا يملك لبنان ترف اختيار التسوية المثالية، بل يسعى إلى الخيار الأقلّ كلفةً في ظلّ موازين قوى تُرسم خارج حدوده. وتواجه المفاوضات عقبات جوهرية، أبرزها طبيعة العلاقة المستقبلية مع إسرائيل، إذ يفضّل لبنان اتّفاق عدم اعتداء بدلاً من اتفاق التطبيع الكامل، إلى جانب الخلاف حول مستقبل سلاح حزب الله ودور إيران. وفي الوقت نفسه، تبقى الأولوية الإنسانية والوطنية متمثّلةً في عودة النازحين إلى قراهم، خشية أن يؤدّي استمرار العمليات العسكرية إلى فرض وقائع ديمغرافية جديدة في الجنوب، على غرار ما شهدته غزّة.
ومن هنا، يصبح المدخل الحقيقي لأيّ استقرار استعادة الدولة سلطتها الكاملة على أراضيها، بعدّها المرجعيتَين الوحيدتَين القادرتَين على حماية لبنان وصون سيادته. فالرئيس عون ورئيس الحكومة، نواف سلام، لا يملكان عملياً سوى خيار تعزيز الدولة والجيش، باعتبارهما المرجعية الوحيدة لاستعادة الأراضي وبسط السيادة، انسجاماً مع مبدأ “الأرض مقابل السلام” الذي شكّل عقوداً أساس المقاربة العربية للنزاع العربي الإسرائيلي، وبما يمنح لبنان فرصةً لفصل مصالحه الوطنية عن الصراعات الإقليمية.
في المقابل، يتمسّك حزب الله بسلاحه ويرفض أيَّ تفاوض مباشر، وينظر إلى دوره العسكري بوصفه جزءاً من معادلة الردع الإقليمية المرتبطة بإيران، الأمر الذي يجعل أيّ تقدّم في المفاوضات هشّاً وقابلاً للتراجع. فالإبقاء على قرار الحرب خارج مؤسّسات الدولة يعني استمرار لبنان رهينةً لتحوّلات الإقليم، فيما يبقى أيّ اتفاق يحدّ من نفوذ الحزب موضع رفض مباشر منه.
ورغم الكلفة السياسية المرتفعة للتفاوض، تبدو كلفة استمرار الحرب أكبر بكثير. فلبنان يحتاج اليوم إلى استعادة الدعمَين العربي والدولي، وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة بمليارات الدولارات، بعدما أثبتت المواجهة العسكرية أنّها لم تنتج إلّا المزيد من الدمار والخسائر البشرية والانهيار الاقتصادي. أمّا الفشل، فقد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الحرب، في ظلّ تراجع الحماية الدبلوماسية الأميركية، وإسرائيل التي تبدو أكثر استعداداً لاستخدام القوّة العسكرية التوسّعية.
غير أنّ نجاح أيّ تفاوض لا يقتصر على اتفاق الإطار، بل يفترض ربطه بالمرجعية القانونية التي ما زالت تنظم العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وهي اتفاقية الهدنة لعام 1949. فهذه الاتفاقية ليست مجرّد وثيقة تاريخية، بل تمثّل الإطار القانوني الذي أقرّته الأمم المتحدة، وعدّه مجلس الأمن أساساً لتثبيت السلم والأمن الدوليَّين. ومن هنا، ينبغي التمييز بين إنهاء الحرب والتطبيع السياسي؛ فالأول ضرورة وطنية، أمّا الثاني فيبقى خياراً سياسياً مختلفاً تحكمه اعتبارات عربية وإقليمية أوسع.
وتتميّز اتفاقية الهدنة بأنّها تنظم العلاقة الأمنية فقط، من دون أن تتضمّن اعترافاً سياسياً متبادلاً أو التزامات تتجاوز وقف الأعمال العدائية واحترام الحدود الدولية. كما أن تعديل أحكامها الأساسية المتعلّقة بمنع استخدام القوّة يحتاج إلى موافقة مجلس الأمن، ما يمنحها حصانةً قانونيةً تتجاوز إرادة الطرفَين. والأهمّ أنّها تتضمّن اعترافاً إسرائيلياً صريحاً بسيادة لبنان على حدوده الدولية، من دون أن تفرض على لبنان التزاماً مماثلاً تجاه إسرائيل. ولعلّ هذا ما يفسّر سعي إسرائيل، في اتفاق الإطار، إلى تقليص حضور المرجعية القانونية الدولية لمصلحة ترتيبات سياسية وأمنية تمنحها هامشاً أوسع على الأرض.
لذلك، كان من الأجدى أن يتمسّك المفاوض اللبناني باتفاقية الهدنة بوصفها المرجعية القانونية الثابتة، فيأتي اتّفاق الإطار مكمّلاً لها لا بديلاً منها. فالهدنة أرست القواعد القانونية لإدارة النزاع، فيما يوفّر اتّفاق الإطار آليات تنفيذية لمعالجة الوقائع التي أفرزتها الحرب أخيراً، من الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت وقف إطلاق النار إلى معالجة النقاط الحدودية.
وينطبق الأمر نفسه على قرار مجلس الأمن 1701، الذي لا يتعارض مع اتفاقية الهدنة، بل يوسّع إطارها الدولي من خلال تعزيز انتشار الجيش اللبناني ودور “يونيفيل”، أو أيّ قوة دولية بديلة قد يُتّفق عليها. وعليه، فإنّ اتفاقية الهدنة واتّفاق الإطار والقرار 1701 ليست منظوماتٍ مستقلّةً، بل حلقات قانونية وسياسية متكاملة يمكن أن تشكّل أساساً لتسوية أكثر صلابة. لكن نجاح هذا التكامل لا يعتمد على النصوص القانونية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية داخلية أكثر تماسكاً، وإدارة عقلانية للهواجس داخل البيئة الشيعية، بما يمنع إنتاج انقسام وطني جديد. كما تتحمّل الولايات المتحدة مسؤوليةً أساسيةً في ضمان توازن عملية التنفيذ، لأنّ أيّ انحياز واضح سيقوّض فرص نجاح الاتفاق ويعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد.
في نهاية المطاف، لا يملك لبنان هامش المناورة بين المحاور. فمصلحته الوطنية تقتضي الدفاع عن رؤية متكاملة تجمع بين الشرعية الدولية والقدرة التنفيذية، بما يحفظ السيادة ويمنع تحويل الترتيبات الأمنية المؤقّتة إلى بديل من الحقوق القانونية الثابتة في مواجهة أطماع الاحتلال، ومحاولاته فرض وقائع جديدة تتجاوز حدود الحرب الراهنة.
قد تفتح واشنطن نافذةً للحلّ، لكن الضمانة الوحيدة التي تبقى للبنان هي أن يستند أيّ اتّفاق إلى الشرعية الدولية، لا إلى موازين القوى المتبدّلة.



