طهران من ساحات التنافس بين واشنطن وبكين

طلال أبو غزالة

حرير- وأنا أحاول قراءة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، لا أجد من السهل اختزالها في صراع ثنائي بين دولتين، فالمشهد الأوسع يوحي بأننا أمام فصل من فصول إعادة ترتيب النظام الدولي، حيث تبدو طهران أحياناً ساحة اختبار لتوازنات تتجاوز حدود المنطقة، وربما تتصل بالمنافسة الأكبر بين واشنطن وبكين… لذا ليس من المبالغة في التشاؤم القول إن المنطقة تقف اليوم في قلب عاصفة تتجاوز حدود أزماتها المباشرة، فالجغرافيا السياسية تعيد ترتيب أوراقها، وخيوط الصراع تتداخل بطريقة تجعل من الصعب فصل الأزمة الإقليمية عن التحوّلات الكبرى التي تعصف بالنظام الدولي. وعليه، ما نراه ليس مجرّد سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي تنتهي بانتهاء العناوين اليومية، بل مرحلة انتقالية عميقة تعيد فيها القوى الكبرى حساباتها، وتُرسم فيها حدودٌ جديدة للنفوذ والقوة.

لطالما علمنا التاريخ أن الحروب الكبرى لا تظهر دائماً في صورتها المعلنة قد تبدو الجبهات واضحة، وقد تحمل المواجهات أسماء أطراف محدّدة، لكن خلف المشهد الظاهر غالباً ما تجري صراعات أوسع على النفوذ والمصالح وموازين القوى وكثير من الأزمات الإقليمية لم تكن سوى مساحات التقاء لصراعات دولية أكبر، حيث تتحوّل الدول والجماعات إلى عناصر داخل معادلات تتجاوز حدودها الجغرافية.

عقوداً طويلة، أدارت القوى الكبرى جزءاً كبيراً من تنافسها عبر ساحات إقليمية وأدوات غير مباشرة، لكن التحوّل الأبرز الذي يلوح انتقال مركز الثقل تدريجيّاً نحو مواجهة أكثر وضوحاً بين الولايات المتحدة والصين، لا تقوم فقط على إدارة النفوذ عبر الحلفاء، بل على تنافس مباشر حول شكل النظام الدولي المقبل وقد يكون العام المقبل محطّة جديدة في هذا المسار، حيث يصبح التنافس بين واشنطن وبكين أكثر حضوراً، وأقل قدرة على الاختباء خلف الأزمات الإقليمية. وليس هذا التحول وليد لحظة سياسية عابرة، بل نتيجة طبيعية لصعود صيني متدرج لم يعد يكتفي بموقع القوة الاقتصادية الكبرى، فبكين لم تعد ترى نفسها مصنع العالم فقط، بل قوة تسعى إلى بناء حضور سياسي واستراتيجي يتناسب مع وزنها الاقتصادي وطموحاتها الدولية، وهي تنتقل تدريجيّاً من مرحلة الصعود الهادئ إلى مرحلة إعلان موقعها طرفاً أساسيّاً في صياغة قواعد اللعبة العالمية.

ربما تتضح هذه الرؤية في مسار تحديث الجيش الصيني وتوسيع قدراته، وفي السعي إلى بناء قوة عسكرية قادرة على حماية المصالح الصينية خارج حدودها، خصوصاً أن الحديث عن تطوير جيش بمواصفات عالمية ليس مجرّد شعار عسكري، بل يعكس تحولاً في طريقة تفكير الصين بدورها في العالم، وانتقالها من التركيز على النمو الاقتصادي وحده إلى بناء أدوات القوة الشاملة.

كما تبقى قضية تايوان في مقدّمة الملفات التي تختبر هذا التحوّل، فالمسألة بالنسبة إلى بكين ليست مجرّد خلاف جغرافي، بل قضية مرتبطة بالسيادة والهوية والمكانة الدولية. وفي المقابل، تنظر واشنطن إلى تايوان جزءاً من معادلة التوازن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولهذا أصبحت الجزيرة من أكثر نقاط التوتر حساسية، لأنها تحمل في داخلها احتمال مواجهة تتجاوز حدودها لتلامس مستقبل النظام الدولي نفسه.

غير أن التحولات العسكرية والسياسية لا تنفصل عن التحولات الاقتصادية التي يعيشها العالم، فإلى جانب طبول الصراعات الكبرى، هناك خطر اقتصادي يزحف بصمت نحو النظام العالمي، في ظل هشاشة متزايدة في الاقتصاد الدولي، وهناك من يرى أن العالم مقبل على الكساد الكبير الثاني، بعد الأول الذي ضرب العالم قبل مائة عام، بما يحمله هذا من أخطار الركود والتضخم والبطالة واضطراب الأسواق.

ويستحقّ هذا الملف الاقتصادي اهتماماً خاصّاً، لأنه لم يعد ممكناً التعامل مع الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد العالمية باعتباره خياراً آمناً في عالم تتزايد فيه الأزمات والصراعات، فالأمن الوطني لم يعد مرتبطاً بالقوة العسكرية فقط، بل أصبح يشمل قدرة الدول على تأمين متطلبات الحياة الأساسية، من الغذاء والطاقة والدواء إلى مقوّمات الإنتاج والاستقرار الداخلي.

ومن هنا تأتي أهمية التوجه نحو الاكتفاء الذاتي، على الأقل في جميع المتطلبات الأساسية للحياة، فتعزيز القدرة المحلية على الإنتاج ليس دعوة إلى الانغلاق، بل هو محاولة لبناء قدرة وطنية على الصمود أمام الأزمات الكبرى التي قد يفرضها عالم سريع التحول.

وفي مواجهة هذه التحدّيات العسكرية والاقتصادية، لا يمكن للدول أن تعتمد فقط على قوتها الداخلية، بل تحتاج كذلك إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة، فذلك كله يتطلب بناء الجسور والصداقات مع دول الجوار لكل دولة، لأن الجوار المستقر والتعاون الإقليمي أصبحا عنصرين أساسيين في حماية المصالح الوطنية في زمن تتراجع فيه فاعلية المظلات الدولية التقليدية.

بناء العلاقات مع المحيط القريب، وتصفير الأزمات قدر الإمكان، وتعزيز المصالح المشتركة، لم تعد مجرّد خيارات دبلوماسية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية، فالدول الأكثر قدرة على مواجهة المستقبل هي التي تمتلك عمقاً سياسيّاً واقتصادياً، وشبكة من الشراكات تمكّنها من التعامل مع عالم مليء بالمتغيرات.

لا يقف العالم أمام سيناريو واحد محدّد، بل أمام شبكة معقدة من الاحتمالات والمسارات المتقاطعة والقوى الكبرى تعيد رسم مواقعها، والدول تبحث عن مكانها في خريطة جديدة لم تكتمل ملامحها بعد، لذا يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالات متعددة تتطلب قراءة سابعة؛ قراءة لا تكتفي بمتابعة ظواهر الأحداث، بل تحاول فهم أعماقها، والاستعداد لنتائجها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

 

 

مقالات ذات صلة