لن أشجّع الأرجنتين. ولن أصفّق لميسي.

ليس كرهًا لكرة القدم، ولا عجزًا عن رؤية الجمال حين يلمع في الملعب، بل رفضًا لذلك الغسيل الرمزيّ الذي يُراد لنا أن نبتلعه باسم “السحر” و“العبقرية” و“الحلم الجميل”.

ميسي لاعب عظيم؟ نعم.
ولكن العظمة الكروية ليست صكّ براءة أخلاقية، ولا شهادة إعفاء من السؤال. فالقدم التي تصنع المعجزات لا تمنح صاحبها حصانة من النقد حين يتحول إلى رمز عالميّ يُستخدم سياسيًّا وتجاريًّا وإعلاميًّا.

ميسي ليس لاعب حارة لا يملك من أمره شيئًا. هو سفير نوايا حسنة لليونيسف منذ عام ٢٠١٠، أي إنه قبل، طوعًا واختيارًا، أن يكون وجهًا عالميًّا لقضايا الأطفال والضعفاء. ومن يقبل أن يكون وجهًا للضعفاء، لا يحق له أن يختبئ خلف الصمت حين تصرخ القضايا الكبرى طالبةً كلمة واضحة.

وحين يصبح الصمت انتقائيًّا، لا يعود صمتًا بريئًا.
يصبح موقفًا ناعمًا لصالح الطرف الأقوى.
يصبح حيادًا مُريحًا لا يدفع صاحبه ثمنًا.
ويصبح خذلانًا مغلّفًا بالابتسامة والصورة والإعلان.

هذا اللاعب نفسه لم يكن بعيدًا عن السياسة حين جاءت السياسة بثوب العقود والحملات والصورة اللامعة. رُوّج له كسفير للسياحة السعودية، وتحدثت تقارير عن عقد قد يصل إلى ٢٥ مليون دولار خلال ثلاث سنوات. وسبق أن أصبح سفيرًا لعلامات وشركات إسرائيلية أو إسرائيلية المنشأ مثل “سيرين لابس” عام ٢٠١٧، و“أوركام” عام ٢٠٢٠.

إذن المشكلة ليست أن ميسي لا يدخل السياسة.
المشكلة أنه يدخلها حين تكون مربحة، ناعمة، مغلّفة بعقد وصورة وحملة وسوق؛ ثم يصبح فجأة خجولًا، حذرًا، صامتًا، حين يكون المطلوب موقفًا أخلاقيًّا حقيقيًّا لا يصفّق له الرعاة.

أما الأرجنتين، فدعونا نكسر هذه الرومانسية المعلّبة.
الأرجنتين ليست فقط ميسي ومارادونا والتانغو والقميص الأزرق والأبيض. خلف هذه الصورة اللامعة تاريخٌ آخر، أقل أناقة وأكثر قسوة: تاريخ دولة حديثة بُنيت، في جانب كبير من هويتها، على مشروع بياض أوروبيّ صريح. دستورها نفسه، في المادة ٢٥، ينص على أن الحكومة الفدرالية تشجّع الهجرة الأوروبية. وبين عامي ١٨٣٠ و١٩٥٠ وصل إلى الأرجنتين نحو ٨٫٢ مليون مهاجر أوروبيّ، لتصبح واحدة من أكبر وجهات الهجرة الأوروبية في العالم بعد الولايات المتحدة.

لكن السؤال الذي لا يحب عشاق الصورة البيضاء سماعه:
أين ذهب السود؟

في عام ١٧٧٨ كان الأفارقة والمنحدرون من أصل أفريقيّ يشكلون نحو ٣٧٪ من سكان إقليم ريو دي لا بلاتا. ثم، بقدرة قادر كما يريدون أن يرووا لنا، صار حضورهم هامشًا شبه ممحوّ من الذاكرة الرسمية. لم يختفوا لأن التاريخ قرر أن يطويهم بلطف؛ بل دُفعوا إلى حواف السرد، وسُحقوا بالفقر والحروب والعنصرية البنيوية، ثم أُعيد تصنيفهم ومحوهم حتى لا يزعج سوادهم أسطورة الأرجنتين البيضاء.

ودراسات تاريخية تحدثت عن ظروف معيشية قاسية وعنصرية بنيوية ساهمت في الانحدار الديموغرافيّ للسكان المنحدرين من أصل أفريقيّ في بوينس آيرس خلال القرن التاسع عشر. أي إن المسألة ليست صدفة سكانية، بل نتيجة تاريخ طويل من التهميش والمحو والتبييض.

وأين ذهب السكان الأصليون؟

“حملة الصحراء” لم تكن رحلة وطنية بريئة، ولا صفحة مجيدة كما تحب الدول أن تكتب عن جيوشها. كانت حملة عسكرية أطلقتها الدولة الأرجنتينية بين ١٨٧٨ و١٨٨٥ لإزالة السكان الأصليين من البامبا وباتاغونيا وفتح الأرض أمام المشروع الأرجنتينيّ الحديث. وهناك دراسات تصف سياسات الدولة تجاه السكان الأصليين بأنها تضمنت قتلًا، وتركيزًا، وترحيلًا، واستعبادًا، وتطهيرًا لهوية الأطفال، وتدميرًا ثقافيًّا؛ أي آليات ترقى إلى مفهوم الإبادة.

ثم يأتيك من يطلب منك أن تشجع “الأرجنتين الجميلة” كأنها حكاية ملائكة.

لا يا عزيزي.
أنا لا أرى القميص وحده.
أرى ما وراء القميص.

أرى تاريخًا من التبييض خلف اللونين الأزرق والأبيض.
أرى شعبًا أصليًّا دُفع إلى الهامش حتى لا يُفسد نقاء الصورة.
أرى ذاكرة سوداء جرى مسحها من المشهد حتى تبقى الحكاية أوروبية الملامح، ناعمة على الشاشة، صالحة للتصدير، لا تخدشها وجوه من سُحقوا تحت عجلة الدولة.

أما كرويًّا، فحدّث ولا حرج.

في كأس العالم ٢٠٢٢، حصلت الأرجنتين على خمس ركلات جزاء، وهو الرقم الأعلى لفريق واحد في نسخة واحدة من كأس العالم، بحسب مركز تدريب فيفا نفسه. خمس ركلات جزاء في سبع مباريات، ثم يريدون منك أن تسمي كل سؤال “حقدًا على ميسي”.

لا.
ليس هذا حقدًا.
هذا حق الجمهور في الشك، وحق العقل في السؤال، وحق كرة القدم في ألا تُسلَّم مفاتيحها للأساطير دون مساءلة.

وفي نصف نهائي ٢٠٢٢ أمام كرواتيا، أثارت ركلة الجزاء على ليفاكوفيتش جدلًا واسعًا بين المحللين والجماهير. وفي مباراة هولندا والأرجنتين، شاهد العالم فوضى تحكيمية قياسية؛ المباراة عُرفت باسم “معركة لوسيل”، والحكم لاهوز أشهر عددًا قياسيًّا من البطاقات في مباراة بكأس العالم. واللافت أن ميسي، الذي استفاد طويلًا من هالة النجم الكبير، خرج هو نفسه يهاجم الحكم وفيفا بعد المباراة.

هكذا تعمل الأسطورة حين تتضخم:
حين تأتي القرارات في صالحها، يسمونها عبقرية وقدرًا وعدالة شعرية.
وحين يزعجها الحكم قليلًا، تصبح فيفا مشكلة، ويصبح التحكيم فضيحة، ويصبح العالم كله مطالبًا بالإصغاء لغضب النجم المقدس.

ولم يتوقف الجدل. في كأس العالم ٢٠٢٦، قدمت الجزائر شكوى رسمية إلى فيفا بسبب التحكيم في خسارتها أمام الأرجنتين ٣-٠، وتضمنت الشكوى حادثة غير معاقبة ضد ميسي على عيسى ماندي، وحادثة أخرى تخص أليكسيس ماك أليستر. هذه لم تعد ثرثرة جماهير في مقهى، ولا منشورًا غاضبًا على فيسبوك؛ هذه شكوى رسمية من اتحاد وطنيّ إلى لجنة التحكيم في فيفا.

هل أقول إنني أملك وثيقة تثبت أن فيفا زورت البطولة للأرجنتين؟
لا.

لكنني أقول إن تراكم الوقائع، من ركلات الجزاء القياسية، إلى الجدل التحكيميّ، إلى الشكاوى الرسمية، إلى القداسة الإعلامية المحيطة بميسي، يجعلني أرفض ابتلاع الرواية الساذجة: “كل شيء طبيعي، وأنتم فقط تكرهون ميسي.”

لا.
نحن لا نكره الموهبة.
نحن نكره تحويل الموهبة إلى ديانة.
نكره أن يصبح اللاعب فوق النقد.
نكره أن تتحول فيفا إلى ماكينة لتسويق الأساطير بدل أن تكون حارسة للعدالة.
ونكره أن يُطلب منّا التصفيق لمن يملك صوتًا عالميًّا، ثم يستخدمه بحسابات السوق لا بحسابات الضمير.

لذلك لن أشجع الأرجنتين.
لن أصفق لميسي.
لن أشتري أسطورة “العبقري الصامت”.
ولا أسطورة “الأرجنتين البيضاء الجميلة”.
ولا أسطورة “الفوز النظيف الذي لا يجوز سؤاله”.

كرة القدم جميلة، نعم.
لكنها تصبح قبيحة حين تُستخدم لتلميع التاريخ، وتخدير الضمير، وحماية النجوم من النقد.

أنا لا أكره شعبًا كاملًا.
لكنني أرفض رمزًا كاملًا.
أرفض قميصًا صار عند كثيرين فوق المساءلة.
وأرفض لاعبًا يريد العالم أن يراه قديسًا فقط لأنه عبقري كرة قدم.

فالقدم لا تغسل التاريخ.
والهدف لا يمحو الصورة.
والكأس لا يجعل الغطرسة حقيقةً مقدسة.

مقالات ذات صلة