التعديلات والإقالات في الحكومات الأردنية بين الرؤية السياسية والالتزام بالنزاهة

بقلم : د. محمد المناصير

ترتبط التعديلات الحكومية أو إقالات واستقالات الوزراء في الحكومات الأردنية المتعاقبة بعدة سياقات سياسية وإدارية ورؤى وطنية. في كثير من الأحيان، لا تكون المغادرة بسبب خطأ فادح، بل تعود لأسباب روتينية مثل إعادة هيكلة الفريق الاقتصادي لضخ دماء جديدة، أو رغبة رئيس الوزراء في اختيار فريق يضمن الانسجام الحكومي لتنفيذ خطط تحديث القطاع العام والتعامل مع ملفات معقدة كالبطالة والتشغيل.

كما شهد التاريخ الأردني استقالات ناتجة عن ضغوطات نيابية أو خلافات إدارية داخل الفريق الوزاري؛ ومن أبرز الأمثلة التاريخية القريبة قضية وزير العمل الأسبق معن القطامين (في حكومة بشر الخصاونة، مارس 2021)، والذي تقدم باستقالته فوراً بعد أداء القسم الدستوري لتعديل حكومي جرى فيه فصل حقيبة “وزارة العمل” عن حقيبة “الاستثمار” التي كان يحملهما معاً، معتبراً أن سحب ملف الاستثمار يفرغ خطته الاقتصادية من مضمونها.
لكن في محطات أخرى، تأخذ الاستقالة طابعاً حاسماً يرتبط مباشرة بـ الالتزام بالتشريعات الرقابية وتطبيق معايير النزاهة، وهو ما تجسد بشكل واضح ومثير للجدل في المشهد السياسي الأردني مطلع شهر يوليو 2026 مع قصة استقالة وزير العمل خالد البكار وتداخلها مع ملف الضمان الاجتماعي.
تتوزع هذه القصة على شقين رئيسيين:
1. السبب الرسمي والمباشر للاستقالة (قضية “تضارب المصالح” ومدونة السلوك الوزارية)
في نهاية شهر حزيران وبداية تموز 2026، طلب رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان من وزير العمل خالد البكار تقديم استقالته بشكل فوري.

جاء هذا القرار الحاسم بعد ثبوت وجود تضارب مصالح واضح يخرق بنود “مدونة السلوك الوزارية”. هذه المدونة هي وثيقة ملزمة يوقع عليها كافة الوزراء عند تشكيل الحكومة، وتفرض حظرًا صارمًا على استغلال المنصب العام أو نفوذه لتحقيق مصالح شخصية أو عائلية، وتمنع تقاطع المصالح التجارية للأقارب من الدرجة الأولى مع العقود والمشتريات الحكومية.

فقد تبين أن نجل الوزير تقدم بعدة عطاءات حكومية (منها عقود خدمات ونظافة مع وزارة الصحة)، وأُحيل أحد هذه العطاءات لصالحه بالفعل وهو ما اعتبر انتهاكاً صريحاً للمبادئ التي نصت عليها المدونة.

وقد جاء الإجراء الحكومي الفوري لترسيخ مبدأ الشفافية، وسيادة القانون، ومنع استغلال النفوذ، قام رئيس الوزراء بإيقاف هذه العطاءات بأثر رجعي، وطلب استقالة الوزير فوراً، وجرى تكليف وزير النقل نضال القطامين بإدارة وزارة العمل بالإنابة.
2. الربط والتداخل مع ملف “الضمان الاجتماعي” الساخن
تزامن توقيت الإطاحة بالوزير مع نقاشات برلمانية وتشريعية مكثفة ومثيرة للجدل حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026، وهو ما جعل الشارع الأردني والمراقبين يربطون بين تنحيته السريعة وهذا الملف الحساس نظراً لعدة معطيات:

البكار كان يدافع عن الدراسة الاكتوارية المثيرة للجدل بصفته وزيراً للعمل (وهو منصب يرتبط برئاسة مجلس إدارة مؤسسة الضمان تلقائياً)، كان خالد البكار يقود ويدافع بقوة عن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، مستنداً إلى “دراسة اكتوارية” قال إنها تضمن استدامة أموال ومؤسسة الضمان.

وقد وجهت له تحذيرات وانتقادات فنية حادة حيث واجه البكار هجوماً كبيراً قبل استقالته من قِبل خبراء ومسؤولين سابقين؛ حيث خرج المدير العام الأسبق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي (الدكتور محمد صالح الطراونة) في مقالات علنية يحذر فيها رئيس الوزراء من أن المعلومات والأرقام التي يقدمها الوزير البكار بشأن الدراسات الاكتوارية “مغلوطة وغير دقيقة”، منتقداً تهميش الكفاءات الوطنية والخبرات الفنية الأردنية داخل مؤسسة الضمان لحساب خبرات خارجية مكلفة وتسييس الملف.

وكان رئيس الوزراء جعفر حسان قد أعلن مؤخراً أن الحكومة عدّلت مسودة مشروع القانون لتضع “مرحلة انتقالية لمدة 4 سنوات” لضمان عدم المساس بمستحقات التقاعد المبكر أو الوجوبي للمواطنين، وهو ما عكس وجود تباين أو ضغوط نيابية وشعبية هائلة حول الرؤية التي كان يطرحها البكار.

وفور الإعلان عن الإطاحة بالوزير بسبب قضية العطاءات وتضارب المصالح، سارعت كتل نيابية ونشطاء للمطالبة بفتح وإعادة مراجعة كل القرارات والتشريعات الجوهرية التي اتخذها أو طرحها الوزير خلال فترة وجوده، وعلى رأسها التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، والتأكد من سلامة الأسس التي بُنيت عليها تلك الدراسات لحماية أموال المتقاعدين ومدخرات الأردنيين.

ويمكن الايجاز بالقول انه بينما تُعزى العديد من التعديلات الوزارية في الأردن إلى رغبة الرؤساء في إعادة الهيكلة أو الانسجام السياسي (كما جرى سابقاً مع معن القطامين)، جاءت إقالة خالد البكار رسمياً وبقرار حاسم لتطبيق بنود مدونة السلوك الوزارية بشكل صارم عقب قضية عطاءات نجله. ومع ذلك، فإن هذه الاستقالة ستبقى حكماً مرتبطة بملف الضمان الاجتماعي في الذاكرة السياسية، كونها جاءت في ذروة صراع فني وتشريعي حول استدامة أموال المؤسسة ومستقبل المتقاعدين.

مقالات ذات صلة