العرب وإيران: من التاريخ إلى المصالح

محمد أبو رمان

حرير- لا تزال نقاشات سياسية عربية حول ترسيم العلاقة مع إيران تدور في إطار أيديولوجي أو عقائدي يتسم بالجمود والثبات، ويصنّف الأمور والسياسات بين الأبيض والأسود؛ فإما أن ننظر إلى الإيرانيين باعتبارهم شياطين وأعداء وخصوماً لا مجال للقاء معهم أو التفكير في أرضية مشتركة قادرة على حمل مصالح الطرفين، العرب والإيرانيين، في مرحلة تاريخية حاسمة من تاريخ المنطقة، أو أن نجد طرفاً آخر غارقاً في أوهام رومانسية وأيديولوجية، وكأنّ إيران دولة بريئة لا تفكّر إلا في إنقاذ فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، فيما المشكلة، برأيه، تكمن في المواقف الرسمية العربية المتخاذلة.

بين هذه المواقف السياسية المتضاربة تبرز مشكلات أكثر تعقيداً تتسم بالمبالغات؛ فثمة من يرى الإيرانيين أبرياء تماماً مما حدث ولا يزال يحدث في العراق وسورية ولبنان، وأنهم لم يشاركوا في دعم نظام دموي استبدادي في دمشق قتل وشرّد الملايين من أبناء شعبه ودمّر بلاده. وفي المقابل، هناك من يحمّلهم وحدهم مسؤولية كل ما جرى، وكأنهم كانوا اللاعب الوحيد في سورية، وربما في المنطقة بأسرها، ناهيك عن انتشار نظريات المؤامرة المتبادلة بين الطرفين.

في خضم هذا كله، تبرز ظواهر إعلامية عربية جديدة تعزّز هذا المنطق العقائدي أو الأيديولوجي في قراءة الأحداث وتفسيرها، وتكرّس هذه التصورات لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي المتفاعل مع الأحداث، وتلغي أي مساحة للمرونة أو القراءة الواقعية، ولو نسبياً. فيتحوّل دور “الخبراء” و”المحللين” إلى جزء من ماكينة الدعاية السياسية المرتبطة بمواقف سياسية وعقائدية مسبقة، بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها، بالرغم من أنّ مبادئ التحليل السياسي التي تُدرَّس لطلاب العلوم السياسية في مختلف الجامعات تقوم على تحرّي أعلى درجات الموضوعية في قراءة الأحداث وتفسيرها، والابتعاد قدر المستطاع عن المواقف الشخصية والذاتية. غير أنّ المشاهد العربي يجد نفسه أمام اتجاهات إعلامية لخبراء يفترض أنهم يقدمون تحليلات علمية محترفة، لكنهم ينخرطون في سياقات الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، ويعيدون إنتاج أنماط التفكير السائدة نفسها.

ومن باب الاستطراد الضروري، لا يمكن الزعم بوجود تحليلات سياسية أو حتى نظريات علمية حيادية بصورة كاملة؛ فمثل هذا الادعاء أقرب إلى الخرافة، كما يقرّ بذلك اتجاه واسع من علماء السياسة وباحثيها، وإن بقيت بعض اتجاهات المدرسة السلوكية تتمسّك بهذا التصور. فلا يوجد تحليل سياسي معزول بصورة مطلقة عن اتجاهات وأفكار صاحبه، لكن هذا لا ينفي وجود قواعد وشروط للتحليل السياسي تميّزه عن البيان الأيديولوجي، أو الخطاب السياسي والعقائدي المسبق. فثمة فرق بين أستاذ أو باحث في العلوم السياسية وقائد سياسي أو موظف يعمل لدى حكومة أو حزب أو مؤسسة ذات أجندة محددة.

بالعودة إلى الموضوع الإيراني، من المهم اليوم الخروج من إطار التفكير العقائدي والأيديولوجي والطائفي والتاريخي السائد في اتجاهات الرأي العام العربي تجاه إيران، وتجاوز أنماط الخطاب الإعلامي والسياسي التي تضعنا بين خيارين حدّيين. المطلوب التفكير بمنطق جديد يربط المواقف العربية بالمصالح المشتركة والحوار الإقليمي، والتفكير في بناء منظومة أمنية إقليمية جديدة. وإذا نجحت الحكومات العربية في هذا ستكون قد حققت إنجازاً مهماً يتمثل في التخلص من تداعيات وأعباء خطابات تاريخية وعدائية سادت قروناً طويلة، وتسبّبت في شروخ داخلية كبيرة، واستُخدمت، ولا تزال تُستخدم، في تفتيت المجتمعات وتكريس الانقسامات الداخلية في المنطقة.

ليس المطلوب النظر إلى إيران اليوم من منظور عاطفي، لا مع ولا ضد، بل من منظور المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. وإذا كانت الدول والمجتمعات العربية قد دفعت أثماناً باهظة نتيجة السياسات الإيرانية خلال العقود الماضية، فإنّ الكلفة قد تكون أكبر إذا أُغلق الباب أمام بناء منظور استراتيجي مستقبلي مشترك. فقد أثبتت الحرب أخيراً أنّ إيران لاعب قوي وحاضر وفاعل في المشهد الإقليمي، ولن يختفي من المعادلة حتى بعد تدخل القوة الأعظم في النظام الدولي. وبالتالي ليس التحدي الحقيقي فيما إذا كان ينبغي التعامل معها أم لا، بل في كيفية هذا التعامل، والإطار الذي يحكمه، وكيفية بناء حوار حقيقي ومستدام معها.

في افتتاحية العدد الجديد من مجلة “السياسة والمجتمع” الصادرة عن معهد السياسة والمجتمع (في عمّان)، يشير رئيس الوزراء الأسبق ورئيس مجلس إدارة المجلة، عبد الكريم الكباريتي، إلى النموذج التركي اللافت في التعامل مع إيران؛ إذ تتجاوز تركيا الأبعاد التاريخية والطائفية، وتربط علاقتها مع إيران بمنطق الأمن القومي التركي، وتتحرّك على أساسه في رسم إطار العلاقة السياسية بين الدولتين. وهو ما يدفع الدول العربية، بخاصة في هذه المنطقة، إلى التفكير في مقاربة مشابهة تقوم على منظور موضوعي وواقعي واستراتيجي.

من زاوية أخرى، أجهزت الحرب أخيراً على النظرية التي كانت تروّج فكرة المظلة الأمنية الإسرائيلية، والعلاقات مع إسرائيل بوصفها وسيلة لحماية دول الخليج العربي من “الخطر الإيراني”. فما أن لاحت فرصة مناسبة حتى كشّر بنيامين نتنياهو عن أنيابه، وبدأت تصريحاته وخطاباته تكشف عن نيات إسرائيلية مقلقة تجاه المنطقة وسيادتها، فضلاً عن السياسات المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس. بل يكشف تقرير جديد في العدد نفسه من مجلة “السياسة والمجتمع” عن اتجاه متنامٍ في مواقع التواصل الاجتماعي الخليجية يشكك في جدوى الحماية الأميركية لدول الخليج العربي.

في الخلاصة، آن الأوان عربياً، أو على الأقل في دول المشرق العربي، للتفكير بصورة مختلفة في العلاقة مع إيران، انطلاقاً من المصالح العربية الاستراتيجية لا من الحسابات الأيديولوجية أو التاريخية، كما أنّ هذه المقاربة لا يمكن أن تكون منفردة، إذ لا تمتلك أي دولة عربية بمفردها وزناً استراتيجياً كافياً لفرض معادلات جديدة. المطلوب منظور إقليمي مشترك، يفتح المجال لحوار منظم مع إيران وتركيا، وربما باكستان أيضاً، بما يفضي إلى بناء أجندة إقليمية أكثر قدرة على حماية المصالح العربية وصياغة مستقبل المنطقة.

مقالات ذات صلة