حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة

يحيى بركات... مخرج وكاتب سينمائي

في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات أكبر من الضمائر،

خرج صوت الممثلة العالمية Angelina Jolie ليكسر شيئًا من ذلك الصمت الثقيل الذي يخيّم على غزة.
لم تكن تتحدث عن السياسة بقدر ما كانت تتحدث عن الإنسان.
عن طفل يبحث بين الركام عن لعبة لم تعد موجودة. عن أمّ تعدّ أبناءها كل صباح خوفًا من أن ينقص العدد مع حلول المساء. عن مدينة لم تعد تسأل متى تنتهي الحرب، بل متى يأتي يوم واحد بلا موت.
قالت أنجلينا جولي إن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين صمتوا فقط، بل يحفظ أيضًا لحظة صمتهم.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فما إن خرجت كلماتها إلى الفضاء الرقمي حتى تحولت إلى ما يشبه مرآة ضخمة انعكست عليها وجوه العالم كلها.
بعضهم رأى في كلماتها صرخة إنسانية تستحق الإصغاء. وبعضهم رأى أنها مجرد ممثلة دخلت منطقة السياسة. لكن النقاش سرعان ما تجاوز شخص أنجلينا جولي نفسها.
لم يعد السؤال: ماذا قالت أنجلينا؟
بل أصبح: ماذا قال العالم؟ وماذا فعل؟ وماذا لم يفعل؟
وهكذا خرجت غزة مرة أخرى من حدود الجغرافيا إلى مساحة أوسع؛ مساحة الأسئلة الأخلاقية الكبرى.
أسئلة عن معنى القيادة عندما يموت المدنيون. وعن معنى الدبلوماسية عندما تتأخر المساعدات. وعن قيمة القانون الدولي عندما تصبح صور الأطفال الجائعين خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار.
هناك من يرى أن واجب قادة العالم يبدأ بحماية الإنسان، وفتح الطرق أمام الغذاء والدواء، والضغط من أجل وقف إطلاق النار، وإعطاء السلام فرصة للحياة.
وهناك من يرد بأن السياسة أكثر تعقيدًا من الشعارات، وأن الأمن والحسابات الإقليمية والمصالح المتشابكة لا يمكن تجاهلها.
لكن بين هذين الموقفين تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا:
أن الإنسان الذي ينتظر الماء والدواء والمأوى لا يملك رفاهية الجدل الطويل.

وربما هنا، تحديدًا، يقف التاريخ بهدوء في آخر القاعة، لا يحمل علمًا ولا يرتدي زيًّا عسكريًا، بل يحمل دفترًا مفتوحًا ويسجل.
يسجل من أطلق النار. ويسجل من موّل. ويسجل من برّر. ويسجل من صمت.
بعد سنوات طويلة، عندما تهدأ أصوات المدافع وتُفتح الأرشيفات وتُقرأ الوثائق، لن يكون السؤال فقط: من ارتكب الجريمة؟
بل سيكون أيضًا: من سمح باستمرارها؟
عندها لن تستطيع الولايات المتحدة ولا دول الاتحاد الأوروبي الاكتفاء بالقول إنها كانت تدعو إلى التهدئة أو تعبر عن القلق.
فالتاريخ لا يحاكم الكلمات بقدر ما يحاكم الأفعال.
وسيرى المؤرخون أن القصف لم يتوقف في غزة، وأن الموت ظل يحصد المدنيين يومًا بعد يوم، وأن المجاعة والحصار استُخدما كسلاح، وأن الضفة الغربية كانت تشهد في الوقت نفسه تصاعدًا غير مسبوق لعنف المستوطنين، يجري أمام عدسات العالم بفاشية معلنة وواثقة من الإفلات من العقاب.
وسيكتب التاريخ أن أكبر القوى الديمقراطية التي رفعت يومًا رايات حقوق الإنسان والقانون الدولي، امتلكت من النفوذ ما يكفي لوقف المأساة أو الحد منها، لكنها اختارت أن تجعل حسابات السياسة أثقل من دم الإنسان.
لهذا، فإن القضية لم تعد قضية فلسطين وحدها.
إنها قضية الضمير الإنساني نفسه.
لأن الأمم لا تُدان فقط بما ترتكبه بأيديها، بل أيضًا بما تسمح بحدوثه أمام أعينها.
وحين يكتب التاريخ فصله الأخير عن هذه السنوات السوداء، قد لا يتذكر كل الخطب والبيانات والقمم الدبلوماسية، لكنه سيتذكر حقيقة واحدة:
أن شعبًا كان يُباد على مرأى العالم، وأن العالم كان يعرف.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
8 حزيران 2026

مقالات ذات صلة