
العدو والأسطورة والغبار
دكتور ناز نصار
** من كنعان إلى لبنان: كيف تصنع الأسطورة أعداءها، ويهرب القادة من هزيمتهم، ويحوّل الغرور التاريخ إلى حرب.
أخطر الحروب لا تبدأ بالدبابات. تبدأ قبل ذلك بكثير، في القصص التي يرويها الناس لأنفسهم عن مَن هم، ومن أين جاءوا، ومن يجب أن يتحوّل إلى عدو حتى تكتمل هويتهم. قبل الذخيرة يأتي الخيال. وقبل الغزو تأتي الأسطورة.
لهذا يشكّل جوشوا فيس، العالم الأمريكي والباحث في علم اللاهوت والآثار، نقطة انطلاق قوية. فعندما يشكك في اليقين التاريخي لقصة الخروج من مصر، غزو كنعان، العماليق، والفصل العرقي النظيف بين ابناء يعقوب “ ابناء إسرائيل” و“الكنعانيين”، فهو لا يتحدى التاريخ القديم فقط، بل يزعزع آلة الأسطورة السياسية.
حجته لا تبدأ بالشعارات، بل بالدليل. الحجارة لا تصرخ. والفخار لا ينتج دعاية سياسية. ومع ذلك، يقول علم الآثار أحياناً ما تخاف الأمم من سماعه.
إذا كان الإسرائيليون الأوائل قد نشأوا إلى حد كبير من داخل العالم الكنعاني نفسه قبل ان ينتقلوا للعيش في”يهودا والسامره” والتي هي جزء من ارض كنعان، فإن القصة القديمة عن الانفصال النقي تبدأ بالانهيار. فالعدو ربما لم يكن غازياً أجنبياً. ربما كان الجار، أو القريب، أو المرآة. وحين يصبح العدو مرآة، يفقد الغزو براءته الأخلاقية.
وهنا يكمن الدرس الأعمق: المجتمعات كثيراً ما تصنع أعداءها كي تُكمل هويتها. فإذا لم يكن العدو واضحاً بما يكفي، يتم اختراعه، وتسميته، ولعنه، وتحديد مصيره. يصبح “كنعانياً”، أو “عماليقياً”، أو ‘خطراً وجودياً”، أو “تهديداً أمنياً”. تتغير الأسماء، لكن الوظيفة تبقى واحدة.
ومن هنا يأخذنا أمير مخول، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، إلى الأزمة الحديثة. قراءته للملف اللبناني في منشوره الاخير، ليست مجرد تحليل عسكري، بل تشخيص لفشل القوة ومحاولة خلق “عماليق” جدد على الحدود. ترامب يحاول تثبيت وقف إطلاق النار. نتنياهو يقاوم احتواءه سياسياً. إيران تراقب. ولبنان يتحول، مرة أخرى، إلى أرض يكتب فوقها الآخرون رسائلهم وهم يسمون ذلك استراتيجية.
وهنا تكمن الجملة المريعة:
إعلان الخسارة لا بدّ منه، لكن وقع الخبطة هو ما يخيف.
هذه هي نفسية القائد الفاشل. نتنياهو لا يخاف الحرب بقدر ما يخاف الاعتراف بأن الحرب فشلت. وترامب لا يخاف الفوضى بقدر ما يخاف أن يبدو وكأنه فقد السيطرة على المسرح. القائد الفاشل نادراً ما يبحث عن الحقيقة؛ فالحقيقة محرجة جداً. إنه يبحث عن الاستعراض: ضربة درامية، قصف رمزي، عنوان ضخم بما يكفي لتأجيل الجملة: لقد فشلنا.
ثم يأتي روي كاساغراندا، الأستاذ والمفكر السياسي الأمريكي، ليمنح الحجة ارتفاعها الأخلاقي. فهو لا يهاجم الانتماء، ولا حبّ الوطن، ولا اللغة، ولا الشعب، ولا الأرض. نقطته أعمق: الحبّ يصبح خطيراً عندما يقترن بكره الآخر. والقومية تصبح مأساوية عندما يتحول الكتاب المقدس إلى مصدر علميّ، والأرض إلى صنم، والجار إلى عدو لأن القصة تحتاج إلى شرير.
يذكّرنا كاساغراندا بأقدم تصحيح للغرور السياسي: نحن مؤقتون. الحضارات مؤقتة. الحدود مؤقتة. الإمبراطوريات مؤقتة. حتى الأهرامات تسير ببطء نحو الغبار.
قد يقول الملك: “أنا أملك هذه الأرض”.
وقد تقول الإمبراطورية: “التاريخ اختارني”.
وقد يقول القومي: “الله أعطانا هذا إلى الأبد”.
فيردّ الزمن: أنت غبار.
وهكذا تتحول الحجج الثلاث إلى بنية أخلاقية واحدة.
جوشوا فيس يقول: عدوك قد يكون مرآتك.
أمير مخول يقول: قائدك قد يكون هارباً من إعلان الهزيمة.
روي كاساغراندا يقول: وأنتم جميعاً، الأمة والجيش والإمبراطورية والنصب التذكاري، غبار. فتواضعوا.
الخلاصة ليست ضد التاريخ، ولا ضد الانتماء، ولا ضد الهوية. إنها ضد الغرور. المشكلة ليست في الوطن، بل في عبادة الوطن. وليست في الذاكرة، بل في الذاكرة حين تتحول إلى سلاح. وليست في الحبّ، بل في الحبّ الذي يحتاج إلى عدو كي يشعر بأنه حيّ وذو شرعية.
قبل أن نصدق كل رواية وطنية، فلنسأل: من كتبها؟
وقبل أن نقبل كل عدو موروث، فلنسأل: من احتاج إليه؟
وقبل أن نصفق لكل ضربة، فلنسأل: هل هذا انتصار، أم مجرد قائد خائف يؤجل إعلان الخسارة؟
ربما كان العدو دائماً أقرب مما سمحت لنا الأسطورة أن نرى. وربما كان النصر قد ضاع قبل أن تسقط القنبلة التالية. وربما كانت كل إمبراطورية، مهما علا صوتها، ليست سوى غبارٍ يجادل غبارا



