
أزمة المناخ الدولي الأخطر من سابقاتها
طلال أبو غزالة
حرير- لعقود خلت كان يمكن التعامل مع ملفّ التغيّر المناخي بعدّه امتداداً لنقاش بيئي تقني تديره لجان الخبراء، وتصوغه تقارير المنظّمات الدولية. واليوم، تبدو هذه المقاربة نفسها جزءاً من المشكلة لا من الحلّ، فالمسألة لم تعد تتعلّق بترتيب أولويات التنمية أو تحسين جودة الهواء فحسب، بل بحدود قابلية الكوكب نفسه للاستمرار تحت نمط الإنتاج/ الاستهلاك الحالي.
لا أميل إلى التشاؤم والتهويل، لكنّ الأمر الأكثر إلحاحاً وخطورةً، اليوم، أنّ آثار هذه الأزمة لم تعد ملفّاً مستقبلياً، بل هي حاضرة بالفعل وتهدّد حياة الناس في أقواتهم اليومية وأسعار الغذاء واستقرار المدن، إضافةً إلى الأمن المائي وأنماط الهجرة القسرية المتزايدة. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من السياسات العامّة يتعامل مع المناخ ملفّاً ثانوياً أو نخبوياً يمكن إدارته بالتدريج، بينما المؤشّرات الميدانية والأرض الملتهبة تقول إنّ هامش الزمن المتاح يتقلّص بسرعة البرق.
وبعد عقود من المؤتمرات والاتفاقات تتكشّف فجوة صارخة بين الخطاب والواقع، فتقارير الأمم المتحدة الصادرة حديثاً تشير بوضوح إلى أنّ خفض الانبعاثات يجب أن يحدث بصورة جذرية وفورية، وإلّا فإنّ العالم يتّجه نحو مسار تصبح فيه قابلية الحياة نفسها مهدّدةً. ومع ذلك، لا تزال الالتزامات الدولية خجولةً بلا أدوات تنفيذ فعلية؛ هناك تعهّدات تُعلَن ثمّ تتآكل عند أوّل اختبار لمعادلة الربح والخسارة.
هناك قصور في الإدراك، فالنظام الاقتصادي العالمي لا يزال يتعامل مع البيئة بوصفها عاملاً خارجياً غير محسوب بدقّة داخل المعادلة المالية. فالأضرار البيئية والانبعاثات الكربونية وخسائر التنوّع الحيوي… كلّها تبقى خارج الدفاتر أو تُدرَج جزئيّاً لا تعكس حقيقتها، وفي غياب محاسبة بيئية صارمة، تتحوّل الأزمة إلى نوع من العجز البنيوي عن رؤية الكلفة الحقيقية لما يحدث. وفي سياق رئاستي لفريق تابع للأمم المتحدة، معنيّ بوضع معايير للمحاسبة والإبلاغ البيئي، بدا واضحاً منذ وقت مبكّر أنّ الأزمة ليست في نقص المعرفة، بل في غياب الآليات المُلزِمة التي تحوّل المعرفة إلى التزام قابل للقياس والمساءلة. كان الشعار المتكرّر في تلك النقاشات أنّ “ما لا يقاس لا يُدار”، لكن ما لم يُقَل بوضوح كافٍ أنّ ما لا يقاس يترك أيضاً بلا مساءلة، وبلا تكلفة حقيقية الآن.
الخطير أنّ الوقائع المناخية نفسها لم تعد تحتمل التأجيل في التفسير، فهناك موجات حرّ غير مسبوقة، وحرائق واسعة النطاق، وفيضانات متكرّرة، وجفاف يضرب مناطق كانت مستقرّةً تاريخياً، وهذه ليست أحداثاً متفرّقة، بل مؤشّرات على تسارع نظام مناخي يقترب من نقاط اختلال حرجة، والأكثر أهمّيةً أنّ هذا التسارع يبدو أسرع من قدرة الدول على التكيّف أو حتى إعادة التموضع السياسي والاقتصادي. طبعاً، في هذا السياق، تتخذ المسألة بعداً سياسياً واقتصادياً واضحاً؛ فبعض الدول والشركات نجحت في بناء خطاب الاستدامة من دون تغيير جوهري في نمط الإنتاج؛ فشركات الطاقة الكُبرى على سبيل المثال باتت أكثر قدرة على إدارة صورتها من قدرتها على تغيير نموذج عملها.
في العقود الماضية، ومع تولّي الشعبويين بعض الحكومات في أوروبا، ومع انتخاب دونالد ترامب رئيساً في الولايات المتحدة، بدا واضحاً الانقسام الدولي بين الاعتراف بخطر التغير المناخي والتردّد في اتخاذ إجراءات مكلفة، ما جعل من الاتفاقات الدولية ذاتها مساراً متذبذباً، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس (2015)، الذي دخل حيّز التنفيذ في مطلع العام الحالي (2026)، قد يضعف قدرة النظام العالمي على بناء استجابة مستقرّة وطويلة، خصوصاً أنّ الاتفاقية تمثّل الإطار العالمي الأوسع لمواجهة تغيّر المناخ عبر التزامات وطنية متدرّجة تقدّم، وتُحدَّث كلّ خمس سنوات، مع آليات للشفافية وتقييم التقدّم الجماعي.
والمفارقة أنّ العالم يحتاج مزيداً من الطاقة لا أقلّ، لكن عليه، في الوقت نفسه، أن يقلّل الانبعاثات إلى حدّ جذري، خصوصاً أنّ التوقّعات الديمغرافية الدولية تشير بوضوح إلى أنّ العالم مقبل على تحوّل حضَري واسع النطاق في العقود المقبلة، إذ تتوقّع إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية أن يزداد عدد سكّان المدن بحلول عام 2050 بنحو 2.5 مليار نسمة. هذا التوسّع الحضري لا يضيف فقط مزيداً من السكّان إلى مساحات قائمة، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئة على مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً، فزيادة الكثافة السكّانية داخل المدن تعني بالضرورة ارتفاعاً متسارعاً في الطلب على الطاقة والمياه والغذاء والنقل، وهي القطاعات الأكثر ارتباطاً مباشرة بالانبعاثات الكربونية، ومع غياب تخطيط حضَري مستدام قادر على استيعاب هذا النمو يصبح التداخل بين التحضّر والتغيّر المناخي عامل ضغط متصاعد يفاقم الهشاشة البيئية بدلاً من احتوائها.
لا تتعلق المسألة هنا فقط بإدارة النمو العمراني، بل بطريقة توزيع الكلفة البيئية لهذا النمو. فعندما تتّسع المدن من دون بنية تحتية مرنة، ومن دون سياسات إنتاج واستهلاك متوازنة، تتحوّل إلى نقاط استنزاف مستمرّة للموارد الطبيعية، وتصبح في الوقت ذاته أكثر عرضةً للتقلّبات المناخية من موجات الحرّ إلى الفيضانات إلى أزمات المياه والغذاء، وهي حلقات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. ومع استمرار هذا الاتجاه، من دون تدخّلات هيكلية جادّة، تتراكم المخاطر على مستويات متعدّدة تبدأ من تفاقم أزمات الغذاء، ولا تنتهي عند اتّساع رقعة الفقر الحضري، بل تمتدّ إلى إعادة تشكيل أنماط الاستقرار الاجتماعي داخل المدن ذاتها، حيث يصبح النمو السكّاني عامل ضغط على البنية الاقتصادية والخدمات العامة، وعلى قدرة الدول على الحفاظ على الحدّ الأدنى من التوازن.



