
كوبا والإعدام البطيء… صمت دولي مريب
عبد الحميد صيام
حرير- في بداية عام 2017، وقبل أن يفرض الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، عقوبات صارمة على كوبا وإلغاء التسهيلات كافة التي سمح بها سلفه باراك أوباما، قمت بزيارة لكوبا. فوجدت أن الحياة تكاد تكون طبيعية، حيث تدفق السياح إلى البلاد والسماح لأبناء كوبا في المهاجر بتحويل الأموال إلى أهاليهم. كانت الفنادق تعج بالزوار من أوروبا وكندا والولايات المتحدة، والمطاعم تقدم العديد من الأطباق وحافلات السياحة تأخذك إلى كثير من المناطق، خاصة مزارع التبغ.
كانت زيارة مميزة شعرت بأن الشعب الكوبي قريب من القلب، طيب يحب الحياة. تجد أفرادا في كل مكان يعزفون على آلاتهم الموسيقية، يطربون ويُطربون، يرقصون بكل عفوية، يحبون الزوار ويرحبون بهم. يشعرون بأن العالم لم ينس هذا الشعب الطيب الذي تحدى الولايات المتحدة ولم يخضع للعديد من مؤامرات الجار الأشرس. واستحضرني يومها، وأنا أزور ساحة الثورة، حيث كان يلقي كاسترو خطابه السنوي الذي يستمر عدة ساعات، قوله عام 1960 في الجمعية العامة للأمم المتحدة مخاطبا الولايات المتحدة: «الوطن أو الموت- سننتصر».
فرضت الولايات المتحدة حصارا على كوبا منذ تلك الأعوام وبدأت كوبا تقدم مشروعا سنويا للجمعية العامة يطالب بإنهاء الحصار ولم يصوت ضد هذا القرار، الذي اعتمد 33 مرة، إلا الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الجزرية الصغيرة. مرة واحدة في آخر سنوات أوباما صوتت الولايات المتحدة بـ»امتناع» ما عكس تغيرا في المزاج الأمريكي لكنه لم يدم طويلا.
كان النظام في فنزويلا أيام هوغو شافيز، ومن بعده نيكولاس مادورو يشكل شريان النجاة لكوبا، خاصة في ما يتعلق بتزويد كوبا باحتياجاتها من النفط بأسعار رمزية، أو مجانا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يقدم لكوبا مساعدات شاملة بقيمة سبعة مليارات دولار سنويا، لكن الشعب الكوبي تجاوز تلك المحنة وظل صامدا.
ترامب في عهدته الحالية فرض حصارا بحريا شاملا على البلاد بشكل غير مسبوق منذ يناير الماضي، بعد خطف مادورو، وبدأ يتحدث علنا عن إسقاط النظام. حاصر الجزيرة من كل الاتجاهات ومنع وصول المحروقات بشكل مطلق ولا يدخل البلاد إلا بعض المساعدات الإنسانية من المكسيك وكولومبيا والبرازيل وقطر وحفنة من الدول الأوروبية، حسب تصريح وفد من الأمم المتحدة عاد مؤخرا من زيارة ميدانية لكوبا.
الأوضاع الإنسانية
منذ يناير 2026 وحتى الآن لم يدخل البلاد أي شحنات نفطية، باستثناء ناقلة واحدة من روسيا لم تغط سوى ثلث احتياجات البلاد لشهر واحد فقط. هذا النقص الحاد في الوقود انعكس مباشرة على مختلف القطاعات الحيوية، لاسيما الرعاية الصحية، حيث يوجد نحو 100 ألف مريض على قوائم انتظار العمليات الجراحية، بينهم 11 ألف طفل، إضافة إلى 60 ألف مريض يخضعون للعلاج الإشعاعي، وأكثر من 30 ألف مريض يحتاجون إلى غسيل كلى، وجميعهم يواجهون صعوبات بسبب انقطاع الكهرباء المرتبط بنقص الوقود.
امتدت التداعيات إلى قطاعات الزراعة والغذاء والنقل والتعليم، إذ يعرقل نقص الوقود تشغيل المعدات الزراعية، ما يهدد الإنتاج الغذائي، بينما تواجه عمليات توزيع المساعدات الإنسانية صعوبات، رغم وجود شحنات تقدر بنحو 6.5 مليون دولار في الموانئ، لم يتم نقلها بسبب غياب الوقود. وعلى صعيد الطاقة، أوضح السفير الكوبي لدى الأمم المتحدة، إرنستو سوبرون غوزمان، في لقاء مع عدد محدود من الصحافيين، أن كوبا تمتلك قدرة إنتاجية تقارب 2400 ميغاواط، لكنها لا تستطيع استغلالها بالكامل، في حين يبلغ الطلب نحو 3000 ميغاواط، ما يخلق عجزاً يصل إلى 1700 ميغاواط، وقد أدى ذلك إلى انقطاعات كهربائية طويلة وصلت إلى 20 ساعة في اليوم في هافانا وأكثر من 30 ساعة في مناطق أخرى. ورغم هذه الظروف، أكد السفير أن مؤسسات الدولة لا تزال تعمل، وأن الحكومة تسعى إلى التكيف، من خلال توسيع استخدام الطاقة المتجددة، حيث باتت تغطي ما بين 50 و55 في المئة من الاستهلاك خلال النهار، إلى جانب تطوير الإنتاج المحلي من النفط وتحسين قدرات التكرير.
غياب الأزمة عن مجلس الأمن الدولي
في رد على سؤال لي لأحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين، حول الكارثة الإنسانية التي تعيشها كوبا بعد هذا الحصار المطبق وعدم مناقشة الأوضاع الكارثية التي يعاني منها عشرة ملايين كوبي وكوبية، قال السفير لم يطلب أي من الدول الأعضاء عقد جلسة للمجلس حول كوبا، وما زال تقييم كثير من الدول الأعضاء للأوضاع في كوبا على أنها كارثة إنسانية وليست تهديدا للسلم والأمن الدوليين، أي أن حصار عشرة ملايين إنسان من دون أي مبرر إلا أنهم اختاروا نظاما منذ أكثر من 76 سنة، لا يتوافق مع مزاج الرئيس ترامب، لا يستدعي اجتماعا للمجلس، رغم أن البلاد على وشك انهيار اقتصادي شامل بعد استنفاد مخزونات النفط كافة، وتعذر الوصول إلى الماء النظيف والغذاء والمرافق الصحية التي تعطلت بشكل شبه كامل. وفي جلسة مجلس الأمن يوم الثلاثاء 26 مايو، التي ترأسها وزير خارجية الصين وانغ يي، حول القانون الدولي والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، خاطب وزير خارجية كوبا إدواردو رودريغيز باريلا، المجلس قائلاً: «دعوا كوبا تعيش بسلام»، وطلب من المجلس «على الأقل محاولة» الوفاء بولايته الأساسية في ما يتعلق بالتهديدات والحصار المفروض على بلاده. وقال: «إن حكومة الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بتقويض السلم والأمن الدوليين، وانتهاك القانون الدولي من خلال اتهاماتها الجنائية «المشينة أخلاقياً» ضد راؤول كاسترو، وحصارها للطاقة على كوبا». وحذر الوزير قائلاً: «إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في مغامرتها العسكرية، أو الاستيلاء على البلد أو غزوها فإن الشعب الكوبي سيقاتل حتى النهاية.
العملية العسكرية القادمة
لقد وعد الرئيس ترامب أن يعطي كل انتباهه لكوبا بعد الانتهاء من أزمة الخليج. وأعلن مرارا أن الخيار العسكري مطروح كأحد الخيارات إلا إذا انصاعت كوبا تماما للإملاءات الأمريكية. وقد بعث بهذه الرسالة إلى السلطات الكوبية عندما وصل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، يوم الخميس الماضي 21 مايو هافانا. وأشارت كوبا إلى أن الاجتماع مع راتكليف يهدف إلى تعزيز الأمن لما فيه مصلحة البلدين. وقد أكدت مصادر (CNN) أن الولايات المتحدة منذ فبراير ترسل طائرات استطلاع وتجسس لجمع المعلومات عن المدن الرئيسية كافة.
لقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على أي دولة ثالثة تحاول بيع النفط لكوبا. كما أضافت 11 شخصية كوبية لقائمة العقوبات، ووجهت تهما لراؤول كاسترو الرئيس السابق لكوبا وأخو فيديل كاسترو، بأنه ساهم في إسقاط طائرتين أمريكيتين كمقدمة لإصدار قرار قضائي لتبرير التدخل على طريقة إدانة مادورو.
إن عملية غزو كوبا واحتلالها أو إسقاط النظام مسألة واردة تماما، وهو ما أشار إليه الرئيس ميغيل دياز- كانيل، يوم الثلاثاء عن العقوبات الأمريكية على بلاده، واصفًا إياها بأنها «غير أخلاقية وغير قانونية وإجرامية». وقال دياز- كانيل إن الأمة التي تعاني من نقص الوقود «ستستمر في التنديد، بأقوى وأشد الطرق الممكنة، بالحصار الإبادي الذي يسعى إلى خنق شعبنا».
الرئيس ترامب الذي كان يطمح في جائزة نوبل للسلام، يستعد للسيطرة على الجزيرة، واصفا هذا الاحتلال عندما يقع بأنه «سيطرة ودية وأنه يتشرف بهذه السيطرة عندما تحصل». هذا هو العالم الذي يسعى ترامب ليفصلّه على مقاسه في ظل تهميش أوروبي وغياب عربي وإسلامي وحذر صيني وروسي واستهتار بالقانون الدولي والأمم المتحدة. وقد تكون معركة إيران ونتائجها الفاصل بين نجاح طموحات ترامب ومشاريعه في السيطرة على كوبا وغرينلاند وقناة بنما ومضيق هرمز وطرق التجارة العالمية أو انهيارها ودفنها مرة وإلى الأبد.



