إسرائيل من السيئ إلى الأسوأ

سامح المحاريق

حرير- تتوجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة تبدو غير ضرورية لأن الاستحقاق الانتخابي كان يفترض أن يجري في نهاية شهر أكتوبر المقبل، وهذه الأسابيع لن تقدم أو تؤخر في شيء، ومع ذلك، يبدو أن هذه الخطوة هي عملية لإعادة التمركز السياسي التي يريدها نتنياهو ومنافسوه.

السيئ أو الأسوأ، هذه القائمة القصيرة للخيارات التي يمكن أن تنتجها الانتخابات المقبلة، وأية استراتيجيات للتعامل مع المرحلة المقبلة يجب أن لا تضع في اعتباراتها أي نتيجة أخرى، لأن السلام لم يعد خيارا إسرائيليا.

تبدو الضفة الغربية الثمرة التي تريدها إسرائيل، سواء بالضم أو الاستيلاء على مناطق واسعة وتفريغ الوجود الفلسطيني من أي معنى أو جدوى، والتوجه الإسرائيلي لهذه الخطوة يصبح مع الوقت منبت الصلة بنتائج الصراع الذي يجري في مواجهة إيران، لأنه وبناء على التفاعلات الأخيرة يتحول إلى صراع على الخليج وداخله. المسافة التي اتخذتها إسرائيل إلى الوراء والاختباء خلف الأمريكيين، يتيح لها أن تتقدم لتزعم الشراكة في النصر في حال حققته الولايات المتحدة، ويمكّنها من التملص من الهزيمة على أساس تحول الصراع إلى شأن يمس هيبة أمريكا وعلاقاتها مع حلفائها في الخليج، وفي الحالتين، فالضم في حالة النصر سيأتي تعبيرا عن التفرد الإسرائيلي بالمنطقة، وفي أي حالة أخرى، سيكون تعويضا عن فشل المشروع الإقليمي مع الانكفاء إلى عقيدة القلعة في نسخة جديدة.

تظهر خريطة القوى المندفعة للإطاحة برئيس الوزراء الإسرائيلي، انتفاء أي بديل يمكن أن يكسر ثنائية السيئ ـ الأسوأ، من نفتالي بينيت الذي يظهر أكثر صراحة برفضه المبدئي لحل الدولتين، إلى لابيد الذي يريد أن تكون الدولة في وضعها الراهن هي آخر طموحات الفلسطينيين، وتصبح أوسلو وطموحاتها وأوهامها مثل القدس واللاجئين موضوعا منتهيا، ولا يمكن مقاربته في الوقت الراهن أو مستقبلا. الآخرون يأتون على درجات متباينة من السوء، ولا يمكن أن يقدموا أي شيء للفلسطينيين، سوى تكريس الوضع الراهن الذي لم ينتج أي خطوة للأمام. المشكلة ليست في السنوات القادمة وحدها، فالأوضاع تحت الضغوط الدولية يمكن أن تواصل حالة السخونة لفترة من الوقت، من غير أن تصل إلى نقطة الانفجار، إلا أن الأزمة التي تتراكم تكمن في السبب الذي يدفع بإسرائيل لانتخابات مبكرة، وهو الموقف من قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، الذي ماطل نتنياهو في دفعه للإجراءات الدستورية في الكنيست، ما أثار قيادات الحريديم ضده، لينضموا إلى قائمة من يصفونه بالكذب، وهي القائمة التي أصبحت من الاتساع بحيث لا تستثني أحدا داخل إسرائيل أو خارجها. ولكن هل الكذب الذي يسرف نتنياهو في إنتاجه هو أحد الأدوات لتجنب لحظة الحقيقة وتكلفتها؟ وهل توزيع الوعود وخيانتها بصورة روتينية هو المنهج الذي يتلاءم مع المجتمع الإسرائيلي في ضوء تصاعد الشروخ المكتومة داخله؟ مهما تكن نتائج الانتخابات المقبلة فالوضع في إسرائيل يمضي إلى الأسوأ مع الحقائق الديمغرافية التي تقول إن القوة التصويتية للحريديم والمستوطنين بوصفهما النواة الصلبة لتشكيل عقيدة الدولة في إسرائيل، وهو ما سيجعلها تتمكن بعد عقد قادم من الزمن من أن تشكل حكومات تحمل الهوية الكاملة لليمين الديني والقومي في إسرائيل، وكلاهما يريان ضرورة الاقتلاع ويعتبران التوسع من الحلول القائمة لأزمة تتمثل في عدم قدرة الطرفين على مجاراة قشرة الحداثة التي تدعيها إسرائيل في البنية السياسية والاقتصادية. يتمثل السيئ في استدامة الوضع الراهن والضغط على الفلسطينيين لتأسيس بيئة طاردة تؤدي إلى تفريغ سكاني تدريجي، والأسوأ هو لحظة انفجار كبرى وفارقة تفجر الأوضاع بصورة كارثية ومحرجة، وبين الحالتين من طيف احتمالات لا يبدو الفلسطينيون أو العرب في حالة الاستعداد للمواجهة، فالسلطة الوطنية تبدو في حالة الاستمرار لمجرد الاستمرار، وما زالت تجد صعوبات في التواصل مع الشركاء العرب، أو الدوليين لأن كثيرا من ملاحظاتهم حول الشفافية وتقديم صف جديد من القيادات لم تتم الاستجابة لها بالصورة المطلوبة، كما أن تراجع دور منظمة التحرير لتصبح وكأنها واحدة من الدوائر الداخلية للسلطة، أدى إلى تراجع الهوية الرمزية الجمعية للفلسطينيين في مختلف أنحاء العالم، وأدى إلى وجود انفصام وجودي تغذى على مرحلة السابع من أكتوبر، وهو الأمر الذي يجعل العالم ينظر إلى القضية الفلسطينية وكأنها مجموعة من الملفات المنفصلة التي يعني كلٌ منها فئة دون أخرى من الفلسطينيين.

على المستوى العربي ما زالت الصدمة في السلوك الإيراني الذي يمثل تجاوزا على معادلة الاستقرار والأمن القائمة في المنطقة، على هشاشتها السابقة، تحول دون الالتفات إلى الخطر الإسرائيلي بكامل تفاصيله، خاصة أن إسرائيل اليوم، وغدًا بصورة أكبر، لم تعد مهتمةً بأن تظهر وكأنها تحمل رسالة الحضارة الغربية في صورة واحة الديمقراطية والحداثة في المنطقة، بل ترتد مع صعود اليمين في أمريكا وأوروبا إلى منطق القوة والسيطرة والتفوق العرقي والمبدئي على جيرانها، وبذلك تنتقل إسرائيل من دور الدولة التي حاولت أن توظف سردية المظلومية والتهديد، لتكون عضوا طبيعيا في المنطقة، إلى دور الدولة المهيمنة التي تفرض إرادتها على الآخرين وتحقق مصالحها أولا ثم تتركهم أمام الفتات المتبقي.

تعلم إسرائيل قبل غيرها أن تطبيعها في المنطقة على مستوى الشعوب العربية لم يعد أمرا ممكنا، أو محتملا بعد السابع من أكتوبر، وأن بقاءها مرتبط بما تمتلكه من تفوق عسكري وتقني مع ما تبديه من استعداد وقدرة على استخدامه من غير تردد أو تفكير، فإسرائيل لم تعد مهتمةً بصورتها المتضررة أصلًا بعد السابع من أكتوبر، ووجدت أن حصتها من العقاب الذي كان ينتظر العالم أن يراه في صورة الإدانة والعزلة لم تكن بالمستوى الذي يتناسب مع جرائمها، وتقدر أن حالة السيولة الأخلاقية التي أصابت المنظومة الدولية والتهالك القانوني والاضطراب في موازين القوى سيمكنها من الإفلات بمزيد من الجرائم مستقبلًا. تفكر إسرائيل اليوم في الضفة الغربية وفي الحصول على أراضٍ في لبنان وسوريا تحت ستار الدعاوى الأمنية، ولكن ماذا سيكون السقف الذي تشكله حكومات تعتمد بصورة كاملة على الكتلة التصويتية للمتطرفين في إسرائيل، سواء من متدينين مثل الحريديم أو قوميين مثل المستوطنين؟ الأزمة في الأسوأ أنه ليس وضعا يمكن أن تصل إليه إسرائيل وتستقر عنده، ولكنه يبدو وكأنه عملية متواصلة تصنعها مخيلة التطرف، التي تضع الحدود والشروط التي يخضع لها الجميع للبقاء في اللعبة السياسية في إسرائيل.

ما يبدو اليوم وكأنه أسوأ الاحتمالات في العلاقة مع إسرائيل سيصبح الوتيرة الطبيعية، وما يعتبر اليوم سقفا أعلى، سيصبح غدا الحد الأدنى بالنسبة للإسرائيليين.

مقالات ذات صلة