في استاد عمان… هناك مقعد لا يزال ينتظر ابني رعد الأول

* غداً كل المدرجات تصفق… إلا مقعدي ما زال يبكي…

* في استاد عمان… هناك مقعد لا يزال ينتظر ابني رعد الأول..

“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

د. بشير الدعجة

 

غداً الأحد لن أكون مجرد متفرج في مباراة كرة قدم على مدرجات استاد عمان الدولي بين النادي الفيصلي ونادي الرمثا… بل سأكون رجلاً يحمل على كتفيه أربعين عاماً من الذكريات، ويمشي بخطواته نحو زمنٍ لم يعد كما كان… أكثر من ستة وعشرين عاماً مرت منذ آخر مرة جلست فيها بين تلك المقاعد… وكأنني كنت أؤجل هذا اللقاء مع نفسي، لا مع الكرة.

 

أعود بذاكرتي إلى عام 2010 التي كسرت ستة عشر عاما من عزوفي لحضور المباريات بعد وفاة رعد الأول رحمه الله… يومها لم أكن أنا من قرر الذهاب… بل كان ذلك الطفل الصغير أنذاك… إبني الفهد… ابن السادسة… الذي ألحّ وأصرّ حتى انتصر شغفه على هدوئي… أخذني بيده الصغيرة إلى المدرجات… وكأنه يقول لي: “تعال نعيدك إلى الحياة.”… يومها ضحكت كثيراً… لا على المباراة… بل على نفسي التي عادت فجأة طفلاً.

 

ثم مرة أخرى… عندما واجه منتخبنا نظيره النرويجي في مباراة ودية… لم أكن أنوي الذهاب أيضاً… لكن أبنائي جميعاً مارسوا ذات “الضغط الجميل”… حضرنا الشوط الأول وغادرنا… وكأننا لم نأتِ من أجل النتيجة… بل لنقول: ما زلنا نستطيع أن نعود… ولو للحظات.

 

ورغم أنني أمارس الرياضة بشكل شبه يومي في مدينة الحسين للشباب… والمباريات تُقام أمامي… إلا أنني كنت أمرّ بجانبها كغريب… أسمع الهتاف ولا ألتفت… أرى الجماهير ولا أنتمي… كأن بيني وبين المدرجات حكاية لم تُغلق… فاخترت أن أتركها معلّقة.

 

غداً سأجمع أحزاني وسأحضر مباراة النادي الفيصلي ونادي الرمثا… لكن الحقيقة أنني سأحضر مع ابني الفهد… الطالب في سنته الثالثة في الجامعة الألمانية… (العيال كبرت)… ولم نعد نحن أولئك الذين نركض خلف الكرة… بل أولئك الذين تركض خلفهم الذكريات.

 

لم أزرع في أبنائي حب الأندية المحلية… لم أجعلهم أسرى التشجيع… ولا أسرى النتائج… كبروا وهم يشجعون ريال مدريد… ويهتفون لمنتخب البرازيل… بينما بقيت أنا وفياً لـ برشلونة… ومخلصاً لعشقي القديم للمنتخب الإيطالي… اختلاف جميل… لكنه لم يمنع أن نجتمع غداً تحت سقف واحد… اسمه الذكرى.

 

غداً… لن أرى المباراة فقط… سأرى وجوهاً رحلت… أصدقاء كنا نجلس معاً… نضحك بلا حساب… نشجع بجنون… ونتقاسم سندويشة واحدة وأجرة باص… غداً سأسمع أصواتهم في الهتاف… رغم أن الصمت يملأ أماكنهم.

 

غداً سأجلس… في نفس المكان الذي جلست فيه عام 2000… بجانب ابني البكر رعد الأول… رحمه الله… سأبحث عن ملامحه بين الجماهير… عن ضحكته… عن صوته وهو يهتف للفيصلي… سأستعيد تلك اللحظة التي لم أكن أعلم أنها ستكون الأخيرة…وأتذكر كلمته الشهيرة… في ذلك اليوم الذي فاز فيه الفيصلي على شقيقه الوحدات بهدفين دون رد في إربد… كان يضحك بعفويته التي لا تُنسى ويردد مع جماهير النادي الفيصلي :

“أُقعد وإللبد… إثنين بإربد…”

 

لم أكن أعلم حينها أن تلك الجملة ستتحول يوماً إلى ذاكرة… وأن “إثنين بإربد” لن تعود رقماً في مباراة… بل تصبح اثنين في قلبي… واحدٌ غاب… وواحدٌ ما زال يحاول أن يفهم الغياب.

 

غداً… سأجلس في المدرج… لكنني أعلم أنني لن أرى المباراة كما يراها الآخرون أو كما كنت أراها سابقاً… سأرى وجوهاً كانت هنا… أصواتاً رحلت… ضحكاتٍ كانت تملأ المكان ثم اختفت فجأة… وسأشعر أن كل هتافٍ يُقال… يُشبه نداءً لا يرد عليه أحد.

 

غداً… ليست مباراة… إنها رحلة عودة إلى عام 1980… إلى المدرجات التي حفظت خطواتنا… إلى الزوايا التي شهدت ضحكاتنا… إلى المقاعد التي ما زالت تعرف أسماءنا… إلى زمنٍ كنا فيه أخفّ من الحزن… وأقرب إلى الحياة.

 

غداً… سأدخل الملعب… لكنني أعلم أنني لن أخرج كما دخلت… لأنني سأترك هناك شيئاً من قلبي… وأستعيد شيئاً من روحي.

 

وغداً حين تنتهي المباراة… لن أصفق كثيراً… ولن أغادر سريعاً…

سأبقى لحظة أطول من الجميع… لأنني أعلم أنني لا أغادر الملعب… بل أغادر عمرًا كاملاً… تركته هناك دون أن أنتبه.

 

وغداً… حين أخرج من البوابة… سأعرف أنني لم أذهب لمباراة كرة قدم…

بل ذهبت لأجلس مع رعد الأول رحمه الله مرة أخرى… ولو في ذاكرةٍ لا تسمح له بالعودة… لكنها تسمح لي أن أبكيه كل مرة كما لو أن الفقد حدث للتو.

 

نعم… غداً ليست كرة قدم…

غداً… أنا على موعد مع نفسي.

 

#د. بشير _الدعجه

 

مقالات ذات صلة