
علامكي وشلونكي .. وعلام البلد وشلونه؟
بقلم سعيد المومني
لا أعرف إن كانت أغنية #عمر_العبداللات الجديدة #علامكي_وشلونكي تستحق كل هذا الغضب، ولا أعرف إن كانت قد أخطأت فعلاً في تقديم اللهجة الكركية، أو أساءت إلى الموروث الشعبي، أو وقعت فقط في ضعف فني قابل للنقد. هذا أمر يحق للناس، وللمهتمين بالتراث، وللنقاد، أن يناقشوه بهدوء وذوق ووعي.
لكن ما يستحق التوقف عنده ليس الأغنية ذاتها، بل حجم الغضب الذي انفجر حولها. هنا يصبح السؤال أكبر من #عمر_العبداللات ، وأكبر من مفردة، وأكبر من لحن. يصبح السؤال: كيف وصلنا إلى بلد تثور فيه المعارك الكبرى حول أغنية، بينما تمرّ القضايا التي تمس حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم كأنها تفاصيل هامشية؟
#علامكي_وشلونكي؟ سؤال جميل في الغناء، لكنه في السياسة والمجتمع يصبح سؤالاً موجعاً: علام الرواتب التي لم تعد تكفي؟ وشلون الشباب مع البطالة؟ علام الفواتير الباهظة التي تلاحق البيوت؟ وشلون التأمين الصحي؟ علام الضرائب وارتفاع الأسعار؟ وشلون الخدمات؟ علام الضمان الاجتماعي ؟ وشلون العدالة ومحاسبة الفاسدين؟ علام حرية الرأي والتعبير؟ وشلون مستقبل الشباب؟
الغريب أننا بتنا نملك حساسية عالية تجاه الكلمة حين تأتي في أغنية، وحساسية منخفضة جداً تجاه السياسات حين تمس جيوب الناس وحقوقهم ومستقبلهم. نستطيع أن نحشد ضد مفردة، ونطالب بسحب أغنية، ونخوض حرباً على لهجة، لكننا لا نملك الحماسة نفسها حين تُسحب من الناس مكتسباتهم بهدوء، أو حين يتراجع مستوى الخدمات، أو حين يصبح المواطن محاصراً بين راتب لا يكفي وسوق لا يرحم.
وهذه ليست حالة أردنية خالصة؛ فقد شهدت دول كثيرة معارك صاخبة حول أغنية أو كلمة أو لون أو رمز، بينما كانت أسئلتها الأثقل عن الخبز والحرية والعدالة تتراجع إلى الخلف. كأن المجتمعات حين تعجز عن مواجهة أزماتها الكبرى، تفتش عن رمز صغير تعلّق عليه غضبها الكبير.
والأخطر أن هذه الضجة لا تكون دائماً بريئة؛ فالمعارك الجانبية، حين تُضخّم أكثر مما تستحق، قد تتحول إلى وسيلة ناعمة لصرف الانتباه عن المعارك الأصلية. ننشغل بكلمة قالتها مذيعة، أو بثوب ظهرت به فنانة، أو بتعبير ورد في أغنية، أو بمشهد عابر على شاشة، ثم نترك الأسئلة التي تلتهم أعمار الناس: الغلاء، والبطالة، والضرائب، وتراجع الخدمات، وضيق الحريات، وقلق المستقبل. هكذا لا تعود التفاهة مجرد تفاهة؛ بل تصبح أحياناً طريقة لإدارة الغضب، وتوزيعه بعيداً عن موضعه الحقيقي.
ليس المطلوب أن نصادر حق أحد في الاعتراض؛ فمن حق أي جماعة محلية أن تغار على لهجتها وموروثها، ومن حق الناس أن يرفضوا تقديم تراثهم بصورة مشوهة أو سطحية. لكن الخطر يبدأ حين تتحول المعارك الرمزية الصغيرة إلى بديل عن المعارك الحقيقية، وحين يصبح الدفاع عن اللهجة أعلى صوتاً من الدفاع عن الإنسان الذي يتكلم بهذه اللهجة.
الكرك ليست مفردة في أغنية؛ الكرك تاريخ وناس وكرامة وذاكرة ومكان. وإذا كان البعض يرى أن أغنية أساءت الى الكرك، سؤالي لهم : ألم تتعرض الكرك للإساءة، وغيرها من محافظات الأردن، حين تُركت أطراف البلاد خارج التنمية الحقيقية؟ ألم تُسَأ حين هاجر شبابها بحثاً عن فرصة؟ ألم تُسَأ حين تحولت المحافظات إلى خزانات صبر وانتظار، لا إلى مراكز إنتاج وعدالة وفرص؟
أما #عمر_العبداللات ، فبصراحة، هو المستفيد الأول من هذه الضجة. هذه واحدة من قواعد السوق الجديد؛ أحياناً لا تحتاج الأغنية إلى إجماع كي تنجح، يكفي أن تتحول إلى معركة. الهجوم نفسه قد يصبح إعلاناً مجانياً، والغضب قد يتحول إلى مشاهدات، والمطالبة بالسحب قد تمنح العمل عمراً أطول مما كان سيحصل عليه لو مرّ بهدوء. وصحتين عليه؛ هو فنان، وهذه مهنته، والغناء باب رزقه، والضجة في زمن منصات التواصل جزء من صناعة الانتشار.
لكن المشكلة ليست عند #عمر_العبداللات ، المشكلة عندنا نحن، في هذا الميل الغريب إلى تضخيم الصغير وتصغير الكبير، وفي هذه القدرة العجيبة على تحويل الهامشي إلى قضية عامة، بينما تبقى القضايا الثقيلة التي تمس حياة الناس مؤجلة أو مطموسة أو عالقة في منطقة الصمت. نغضب من أغنية لأنها لامست لهجة، لكننا لا نغضب بالقدر نفسه حين تُمسّ حياة الناس وحقوقهم وكرامتهم ومستقبلهم. وهنا تحديداً تنكشف المفارقة: لسنا فقراء غضب، نحن فقط نوزعه أحياناً في المكان الخطأ.
في النهاية، قد تُسحب الأغنية أو تبقى، قد يعتذر الفنان أو لا يعتذر، وقد يهدأ الغضب بعد أيام كما تهدأ كل موجات التواصل الاجتماعي. لكن السؤال الذي يجب ألا يهدأ هو: لماذا نبدو أحياناً كمن يحرس الكلمات أكثر مما يحرس المعنى، وكمن يدافع عن التراث في الأغاني وينساه في السياسات؟
فليكن الاعتراض على الأغنية كما يشاء أصحاب الاعتراض، فهذا حقهم. لكن لا تجعلوا #علامكي_وشلونكي أكبر من السؤال الذي يخصنا جميعاً:
علام البلد وشلونه .. حتى تبدّلت أحواله؟
#DrSaeedAlMomani



