فخّ السلام الترامبي… لبنان وحيداً

لميس أندوني

حرير- لا يمكن الاستخفاف بحجم الدمار والوجع الذي ألمّ بلبنان وشعبه. لذا؛ لا شيء يفوق أهمية وقف إطلاق النار، والأهم وقف الحرب. المشكلة أنه لا يمكن ائتمان جانب إسرائيل ولا الإدارة الأميركية، والخوف من انزلاق الحكومة اللبنانية نحو هاوية اتفاق مع إسرائيل باسم السلام، لكن يحرم لبنان من الدفاع عن نفسها أو المطالبة بحقوقها وسيادتها، وهو خطرٌ ماثلٌ بل حاضر.

لنبدأ ببنود وقف إطلاق النار، فليس هناك التزام بانسحاب إسرائيلي، ولا اعترافٌ بحق لبنان في الدفاع عن نفسه، وهو ليس أمراً غريباً على إسرائيل، “والراعي الأميركي”، فالشريكان الأميركي والإسرائيلي لا يعترفان بحقّ لبنان والفلسطينيين، ولا أي دولة عربية بالدفاع عن أرضها وشعبها. فلا يوجد في اتفاقيات أوسلو وما تبعها (مع منظّمة التحرير الفلسطينية) أو معاهدة وادي عربة (مع الأردن)، ما ينص على اعتراف إسرائيلي بحق الفلسطينيين والأردن في الدفاع عن أنفسهم. وهذا ليس مصادفة؛ إذ إن جميع الاتفاقيات العربية الإسرائيلية مبنيةٌ على أساس ما تسمّى المتطلبات الأمنية الإسرائيلية أولاً وثانياً… وعاشراً، فالحفاظ على “أمن إسرائيل” وتفوقها العسكري وحرية حقها في تعريف ما تعتبره “خطراً” على أمنها مفاهيم أساسية في الاستراتيجيتين، الأميركية والإسرائيلية، الأمنية والعسكرية في المنطقة.

صحيحٌ أن بنود وقف إطلاق النار ليست بمثابة اتفاقية دائمة، إذ لم تكتمل، لكن إسرائيل لن تغيّر رأيها، فهي تعتبر موافقة لبنان على أي بند دائمة وملزمة. وهذا بالطبع لا ينطبق على التزام إسرائيل، فهي متعودة أن تفرض التزاماتٍ من طرفٍ واحد، وتعاقب أي طرف تعتبره مخالفاً أي اتفاق تحت أي ذريعة، فيما تغيّر وتبدّل كما تشاء، فهذا منطق القوة ولا تعرف إسرائيل غيره، وأي اعتقاد أو كلام غير هذا مجرّد أوهام.

في حال لبنان، أن يكون نزع سلاح حزب الله جزءاً من اتفاق لبناني- إسرائيلي، بل التزام لبناني، لا يدلّ على قِصر نظر فحسب، بل على تدخّل في الشؤون اللبنانية، قد يفجّر حرباً أهلية، ونأمل أن لا يحدث هذا فهذا أسوأ وأخطر ما يمكن حدوثه…

 

لكنه أيضاً مقدمة لتدخل إسرائيلي أميركي في تشكيل العقيدة الأمنية للدولة اللبنانية، الذي بدأ أصلاً بعد موافقة الدولة اللبنانية على شطب مصطلح “المقاومة الوطنية”، الذي تراه أميركا وإسرائيل رديفاً لشرعنة حزب الله. والمعنى أبعد بكثير، بحيث إنه ممنوع أن تكون هناك دولة لبنانية وجيش لبناني يعتبر إسرائيل عدواً ويدافع عن لبنان.

لا يُنكر أن الحكومة اللبنانية كانت وما تزال تحت ضغط القصف الإسرائيلي لمدن لبنان وقراه، لكن وقف إطلاق النار لم يأتِ بعد موافقة لبنان على شروط إسرائيل وأميركا، بل كان العامل الأهم شجاعة المقاومة في بنت جبيل، وكما عرفنا لاحقاً، وكان متوقّعاً، ربط إيران فتح مضيق هرمز لمرور السفن بوقف إطلاق النار أو هدنة في لبنان. وليس المقصود هنا شكر إيران على هذا الربط، فهذا واجبها. وكان من غير الأخلاقي، مع أن الأخلاق لا تحكم قرارات الدول، فصل وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل عنه في لبنان، فيما يستمر العدوان الإسرائيلي على لبنان.

لا يعفي ما تقدّم إيران وحزب الله من المسؤولية، فالإقرار بأن الحزب حركة مقاومة وشجاعة لا يحل الإشكالية الرئيسة للوضع والخلاف الداخلي اللبناني، فالوضع الطبيعي أن تكون في لبنان دولة قوية وجيش لبناني قوي يصون سيادة البلاد. لكن هذا لم يحدُث، ولم تبدأ المشكلة ببروز حزب الله، فالمشكلة الأساس هي في النظام الطائفي اللبناني وتوظيف “أمراء الطوائف” ولا أستثني أحداً في صراع النفوذ والتبعيات للخارج التي قسّمت لبنان، وأضعفت الدولة وقوّضت دور الجيش. عليه؛ سيكون نزع سلاح حزب الله بدون التوصل إلى اتفاق داخلي على أسس وطنية مجرّد خنوع لإسرائيل وأميركا، وأصلاً تعبير “نزع” مرفوض، خصوصاً أن هذا ليس مطلوباً من بقية المليشيات في لبنان، بل فقط من الجهات التي تقاوم إسرائيل دون غيرها..

فبذلك تصبح المرجعية الأساس في تحديد من التنظيمات المسلحة في لبنان هي كل من أميركا وإسرائيل. أما عن تبعية حزب الله لإيران فهي نقطة مشروعة للنقاش والحسم، ولكن في إطار المفهوم الوطني للسيادة اللبنانية، وليس تبعاً لشروط إسرائيلية.

في هذه اللحظة بالذات، الأهم منع صدام داخلي لبناني، وعدم التدحرج إلى اتفاقية لبنانية إسرائيلية “للسلام”، فما رأينا من مؤشرات مثير للقلق، فكيف تجتمع سفيرة لبنان في واشنطن مع سفير إسرائيل وتخرج ببيان أميركي الصنع على اتفاق على نزع سلاح حزب الله وكأن إسرائيل جارة صديقة، لكن “حزب الله يعكر على هذه الجيرة؟” فهذا التفكير يعكس رؤية الإدارة الأميركية ومراكز الأبحاث الصهيونية في واشنطن. كل المشهد بدا وكأنه سيناريو مشهد كتبه أشدّ مؤيدي إسرائيل في العاصمة الأميركية، لأن القضية الأساس لديهم أمن إسرائيل وهيمنتها وإزالة أي حركة تعارضها وتقاومها من الوجود.

وفي رأي صاحبة هذه السطور، حتى لا أُتّهم باحتكار الحقيقة، ساهم حزب الله في إيقاع نفسه في هذا الوضع، ليس لارتكابه أخطاء فحسب، بل أيضاً بموافقته على شروط الهدنة في عام 2024 وقبل ذلك اتفاقية ترسيم الحدود عام 2022، وهي اتفاقيات أشرف عليها المبعوث الأميركي السابق، (والجندي السابق في الجيش الإسرائيلي) عاموس هوكشتاين، في ديسمبر/ كانون الأول عام 2022 و2024، فقد كانتا خطوات في تقويض مكانة حزب الله ونفوذه في الدولة بل في عموم لبنان، وكان هذا مقصوداً، فكل تنازل لبناني رسمي كان مساومة على سيادته وعلى فكرة المقاومة.

الغريب أن هناك من يعتقد أن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض إنجاز، خاصة بعد أن رفض الأخير في مكالمة هاتفية بينه وبين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، محادثة رئيس الوزراء الإسرائيلي. ولكن الدعوة فخ يخدم ترامب خارجياً وداخلياً، لأن الهدف إدخال لبنان (المستضعف) في الاتفاقيات الإبراهيمية، التي وقعتها الإمارات مع إسرائيل، وضمت إليها السودان والبحرين والمغرب، فترامب يحتاج إلى إنجاز سياسيّ، ويريد استغلال ضعف لبنان لتحقيقه.

للأسف، ترى أصواتٌ الدخول في اتفاقيات مع إسرائيل الحل الأمثل، مستشهدة بالاتفاقيات العربية -الإسرائيلية، والحقيقة أن الاتفاقيات العربية الإسرائيلية وتداعياتها وعدم التزام إسرائيل بعدم تهديد واعتداء على الأطراف الموقّعة أكبر درسٍ يجب أن يحذر منه لبنان والجميع. لكن ما يحدث ليس دليلاً على خنوع الحكومة اللبنانية فحسب، فقد ترك العرب لبنان وحيداً، ليس في مواجهة العدوان الصهيوني فحسب، بل في دعم سيادته، واتخاذ موقف موحد قوي يرفض الشروط الأميركية الإسرائيلية. ففي عُرف التفكير العربي الرسمي، خيار المقاومة فشل، وكأن النظام العربي انخرط أصلاً في أيٍّ من أشكال المقاومة وفشل، بل كان يتراجع في كل خطوة قانونية أو دبلوماسية يخطوها ضد إسرائيل، والنتيجة ترك غزّة والضفة الغربية وباقي فلسطين ولبنان، وكأن الهزيمة هي الحل.

مقالات ذات صلة