تعددت أشكال الإبادة… والقاتل واحد

أحمد عويدات

حرير- منذ تأسيس دولة العصابات الصهيونية إلى يومنا هذا ما برحت أركان هذه الدولة «معتدليها» ومتطرفيها، تضيف صفحات جديدة من إجرامها وعنصريتها إلى أسفار تاريخها الدموي الحافل بجرائم ضد الشعب الفلسطيني. فهذه الدولة المارقة، التي تزعم أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، تُنفّذ تعاليم تلمودية زائفة بممارسة كل أنواع الإبادة ضد الشعب الفلسطيني أطفالاً ونساءً، كباراً وصغاراً.

من صرخة القضاء على «العماليق» إلى «فطير صهيون»، ومن «القتل المقدس» إلى ارتكاب مجازر دير ياسين وقبية وكفر قاسم والطنطورة، ومن مجزرة بحر البقر في مصر، وداعل في سوريا، وصبرا وشاتيلا وقانا في لبنان، إلى حرق الأطفال في الضفة وإعدام أُسرٍ بأكملها بدمٍ باردٍ في غزة، ومن حصار التجويع والتعطيش وقتل المدنيين في الخيام، إلى عمليات الاغتيال التي تتم تحت جنح الظلام والجاسوسية. واليوم قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي لا يضيف شيئا غير مألوف سوى عدوانية جديدة وفاشية جديدة وعنصرية الاحتلال المعهودة؛ ويعطي للبشرية برهاناً جديداً على هوية هذا الكيان الإجرامي، الذي أوغل كثيراً بخرق كل القوانين والشرائع والمواثيق الدولية التي تحضُّ على حماية حق الحياة لكل إنسان مهما كانت الأسباب.

إن إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى يحمل في طياته عدة دلالات، أبرزها تكريس سياسة الفصل والتمييز العنصري؛ إذ يحاسب الفلسطيني بتهمة ارتكابه جرائم القتل ويُصنّف «إرهابياً»، بينما لا يحاسب الإسرائيلي على ارتكابه الفظائع والجرائم بحق المدنيين، بوصفه «دفاعاً عن النفس». وكأن حرق الأطفال أو قتلهم بدمٍ باردٍ هو دفاعٌ عن النفس في مواجهة خطر الأطفال الداهم! ثانيا، هذا القرار الجائر يعبر عن هلع وهستيريا متواصلة تصيب جمهور المتطرفين من هذه الأعداد الهائلة من الأسرى، الذين يقبعون في الزنازين وراء القضبان، والذين باتوا تحدياً حقيقياً في مواجهة جلاديهم، فإعدامهم يُخلّصُ الإسرائيليين من هذا الذعر المتواصل. ثالثا، إن نجاح الأسرى – بفعل تحديهم لظروف السجن وعنف السجان- في تحويل سجنهم إلى أكاديمية أو منتدى أدبي ومكان للارتقاء العلمي والأكاديمي والأدبي، جعل منهم قوةً جديدة تضاف إلى صمود وثبات شعبنا في وجه الاحتلال، ولذلك بات من الضروري التخلص من هذه القوة المضافة. رابعا، إن إعدام الأسرى سيجنب الإسرائيليين، بزعمهم، من خطر تعرضهم لعمليات مماثلة «لطوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023 بقصد تحريرهم ومبادلتهم بأسرى إسرائيليين. وآخر هذه الدلالات، إن بقاء هؤلاء الأسرى أحياء من شأنه تهديد أمن دولة الكيان، لأنهم سواءً بإنهاء محكوميتهم أو تحريرهم سيكونون قادة المستقبل القريب لمقاومة هذا الاحتلال. وهذا ما حدث فعلاً، إذ إن معظم قادة المقاومة الذين تم تحريرهم من سجون الاحتلال كانوا في عداد الصف الأول من قادة المقاومة، وأذاقوا الاحتلال ويلات إجرامهم، وهكذا فإن التخلص منهم أصبح ضرورة أمنية للكيان.

إن ما يؤكد عنصرية هذا القرار وإرهاب الدولة المارقة، هو إخضاع الأسرى إلى المحاكم العسكرية بدلاً من المحاكم المدنية، التي باتت حصراً على مرتكبي الجرائم الإسرائيليين. لكن ما المتوقع فلسطينيا من هذا القرار؟ إن المقاومة ستشهد تصاعداً نوعياً في مواجهة الاحتلال، لأن المقاوم سيجد نفسه أمام خيارين اثنين، إما المقاومة ببسالة حتى الاستشهاد، أو الموت إعداماً إذا ما أودع السجن. هذا الواقع سيزيد من الانهيار الأمني الذي تسعى سلطات الاحتلال تحصينه من عمليات المقاومة. وما يؤكد النازية بعينها في هذا القانون «البن غفيري» الصهيوني المتطرف؛ هو اعتبار العرق اليهودي نقياً دون الأعراق الأخرى، عندما يُقر هذا القانون بإعدام أصحاب الأرض، ومن يستحقون الحياة عليها، ويبرئ المجرمين الحقيقيين شُذّاذ الآفاق، وقاتلي الإنسان تحت مظلة «قانون القتل المقدس». من جهة أخرى، يأتي هذا القرار في محاولة لكسر إرادة شعبنا في سعيه نحو الحرية والاستقلال والعودة. وهذا القرار لا يأتي بجديد في سياق الإجرام والإبادة التي يتعرض لها شعبنا، بل هو شرعنة القتل في غطاءٍ قانوني، وتعبيرٌ عن عنجهية «إسرائيل» العدوانية وسطوة القوة التي تمتلكها.

إن تناغم العدوانية والفاشية بين قادة الكيان وإدارة البيت الأبيض، تتجسد بتأييد الرئيس ترامب لقرار إعدام الأسرى، ما يؤكد عداءهم للشعب الفلسطيني وتحديهم للمجتمع الدولي، الذي خرج بمظاهرات مناهضة ورافضة لهذا القرار الجائر، هذه المظاهرات التي شهدتها مدن الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية وبعض الدول العربية، لاسيما في سوريا ما يؤكد أيضا دعمها لقضية شعبنا في الحرية والاستقلال وإدانتها لعنصرية وفاشية ونازية دولة الكيان. إن ذريعة استصدار هذا القرار- الذي أيّده 62 عضواً، بينهم للأسف اثنين من العرب الدروز، وعارضه 48 عضواً – هو القضاء على «الإرهاب الفلسطيني» وردع «الإرهابيين» عن القيام بأعمال إرهابية ضد الكيان.

لماذا يُعتبر هذا القانون جائرا؟ لأن المستهدفين لم يخضعوا لمحاكماتٍ نزيهة، وليس لديهم الحق باستئناف قرار الإعدام أمام أية محكمة؛ لأنهم يخضعون للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية، بينما لا يسري هذا القانون على الإسرائيليين الذين اقترفوا جرائم إرهابية أمثال أولئيل بن عمرة، الذي أحرق عائلة الدوابشة، ولا على باروخ جولدشتاين مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل فجرا، ولا على يغئال عمير الذي اغتال إسحق رابين رئيس وزراء الكيان لتوقيعه اتفاقيات أوسلو، ولا على المستوطنين الذين يمارسون القتل اليومي ضد السكان الفلسطينيين الآمنين في الضفة. إن هذه النسبة من مؤيدي هذا القرار يعكس طبيعة غالبية المجتمع الإسرائيلي، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو السياسية أو الأيديولوجية، هذه الطبيعة العدوانية المتطرفة التي تختفي وراء قيم الديمقراطية المزيفة، التي في باطنها عنصرية ونازية وفاشية. هذا ما ظهر في احتفال الوزير الإرهابي بن غفير، مع شريكه سموتريتش باحتساء الشامبانيا ليدشنا مع المتطرفين الآخرين عهداً جديدا من الإجرام والقتل المشرعن بغطاءٍ قانوني فاشي عنصري نازي، وبدء نصب المشانق للمقاومين الفلسطينيين. هذا القانون الذي طال انتظاره منذ ديسمبر 2022 إلى أن صدر في مارس 2026 ليعبر عن الروح الانتقامية الثأرية القائمة على استباحة الدم الفلسطيني، متجاوزاً كل القيم الأخلاقية والإنسانية، ومُستقطباً قيم العداء والكراهية، ومُسعّراً حدة الصراع مع دولة الكيان.

وعليه، لم تعد المواقف الاستنكارية، والإدانة والشجب لحكومات العالم تفي بالغرض مع حكومة فاشية تزداد عدوانية ضد الشعب الفلسطيني يوماً بعد يوم، نتيجة الصمت والتعامي الكبير عن هذه الممارسات. المطلوب فرض عقوباتٍ على الاحتلال، منها تفعيل المحاكم الدولية عن الجرائم المرتكبة من قبل قادته بحق المدنيين، وإلزام دولة الاحتلال بما نص عليه القانون الدولي الإنساني في زمن الحرب، وكذلك فرض المقاطعة الاقتصادية عليها. إنها المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي، لرفع الحصانة والحماية والدعم عن هذا الكيان استجابة لمطالب شعوبها، وتمكين شعبنا من تحقيق أهدافه في الحرية وإقامة الدولة المستقلة. إن فيما قاله عضو الكنيست الفلسطيني أحمد الطيبي يعبر عن موقف شعبنا إذ قال: «خسئت هذه الحكومة التي تعتقد أنها تستطيع نزع إيمان الفلسطيني بحقه في أرضه بواسطة حبل المشنقة».

مقالات ذات صلة