لا يوجد مكان لقاض عربي في إسرائيل الجديدة

جواد بولس

حرير-  أن تكون عربيا وقاضيا في محاكم إسرائيل هو أمر معقد في جميع الأزمان؛ لكنه يصير في بعض المحطات، ونحن نقف هذه الأيام في إحداها، حالة من الشذوذ، الأنوماليا، المستعصية على الفهم أو القبول. لقد هاجم وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتمار بن غفير يوم الاثنين الفائت، قاضي المحكمة العليا الإسرائيلية خالد كبوب ابن مدينة يافا، واتهمه، بما معناه، الوقوف إلى جانب «أعداء إسرائيل» في الحرب.

جاء تحريض الوزير بعد أن قرر القاضي كبوب الإفراج عن فتى عربي يبلغ من العمر 16 عاما، قُدمت بحقه لائحة اتهام على خلفية أمنية، واستبدل اعتقاله بالحبس المنزلي. وقد جاء في لائحة الاتهام، أن هذا الفتى تابَع، منذ نهاية عام 2023، من خلال الإنترنت ووسائل التواصل محتويات ينشرها تنظيم «داعش». وبعد فترة من المتابعة قرر، وحاول الانضمام للتنظيم، لكنّه في نهاية المطاف لم يقم بأية خطوة عملية.

بالتزامن مع تقديم لائحة الاتهام تقدمت النيابة العامة بطلب إلى محكمة الصلح لإبقاء الفتى رهن الاعتقال حتى نهاية الإجراءات القانونية بحقه، إلا أن قاضي المحكمة، وهو قاض يهودي، رفض طلب النيابة، وأمر بالإفراج عنه وإبقائه رهن الحبس المنزلي، وفرض عليه ضمانات وشروطا أخرى. كان مبرر قرار القاضي الأهم هو صغر سن الفتى، وعدم ضلوعه بأي نشاط فعلي. استأنفت النيابة العامة على قرار محكمة الصلح أمام المحكمة المركزية في مدينة حيفا؛ فقبل قاضي المحكمة المركزية، وكان قاضيا عربيا، طلب النيابة، وأمر بإبقاء الفتى رهن الحبس، مؤكدا «أن إنسانا في سن المتهم يقرر الانضمام لتنظيم قاتل، ويقرر أن ينفذ عملية، لا يستحق نيل الثقة التي وهبته اياها محكمة الصلح، ولا يوجد سبب لمراعاة معاناته كقاصر لدرجة تستدعي إخراجه من الحبس». هكذا كتب قاض، من المفترض أنه مكلف قبل استنفاد العقوبة مع القاصرين، أن يفتش عن وسائل لإعادة تأهيلهم. توجه محامي الفتى إلى المحكمة العليا، فقبل قاضيها، القاضي خالد كبوب استئناف الفتى وأمر بالإفراج عنه، واستبدال حبسه بحبس منزلي. وقد استند القاضي كبوب في قراره على مواد «قانون الشبيبة»، التي أوصت صراحة بعدم ضرورة اعتقال القاصرين، إذا كان بالإمكان تحقيق غايات الاعتقال بوسائل أقل مساسا بحريتهم. وقد دعّم قراره بعدة سوابق أفرج فيها القضاة، وبضمنهم قضاة المحكمة العليا، عن متهمين قُصّر، كانوا على الأغلب يهودا، حتى عندما نُسبت لبعضهم مخالفات أمنية خطيرة تضمنت اعتداءات فعلية وخطيرة على مواطنين فلسطينيين وعلى ممتلكاتهم. لقد انضمت جهات يمينية عديدة إلى حملة مهاجمة القاضي كبوب، واتهمته بمعاداة الدولة؛ ولكن، بالمقابل، انبرت عدة جهات يهودية بالدفاع عن قراره وإدانة التهجمات عليه؛ برز من بينها موقف المستشارة القضائية للحكومة، التي شجبت من هاجموه، لاسيما الوزراء منهم. وكذلك «إدارة المحاكم» التي أصدرت بيانا رسميا، مؤكدة فيه «أن التهجمات الشخصية على القاضي الذي يقوم بتطبيق القانون، يُعدّ تخطيا للخط الأحمر، ومساسا بسلطة القانون»، وأضافوا أنهم «يشككون بأن أولئك الذين تهجموا على القاضي لم يقرأوا قراره بشأن الفتى القاصر، الذي تنطبق على حالته تعليمات «قانون الشبيبة»، حيث يكون بمقتضاها حبس القاصرين هو الإجراء الأخير الذي قد يلجأ اليه، وقبله يجب تفضيل أي إجراء بديل لا يمس بحرية القاصر، فضلا عن ضرورة الأخذ بعين الاعتبار سن المتهم وتأثير الحبس عليه». أما رئيس نقابة المحامين في إسرائيل فقد أصدر بيانا قال فيه: «إن التحريض ضد القضاة هو أمر محتقر ومذموم في كل أيام السنة، فكيف ونحن في زمن الحرب».

لم تبدأ أزمة القاضي العربي «الخادم» في جهاز القضاء الإسرائيلي بحادثة القاضي كبوب، ولن تنتهي معها؛ فهذه «الأزمة» هي من فصيلة الأزمات المعضلة والمزمنة، وهي في الأصل أزمة القاضي نفسه قبل أن تكون وتصير أزمة الدولة معه. عن هذه الحالة كتبتُ الكثير بعد أن تكاثرت الأصوات الناقمة والناقضة لآلية عمل جهاز القضاء الإسرائيلي وما يمارسه بحق الجماهير العربية في البلاد، وغياب دور القضاة العرب المأمول بشكل عام. فكثيرون يتحدثون عن كيل هذا الجهاز، بجميع قضاته، بمكيالين، وعن أن الإجحاف يكون دائما من نصيب المواطن العربي، سيان كان متهما في إجراء جنائي، أو مدعيا أو مدعى عليه في إجراء مدني.

ومن المسائل التي لازمتني، خلال عقود عملي محاميا، كانت تلك المقولة الشهيرة التي يكرّسها فقه القانون وتحفظها فضاءات المحاكم، إن «القاضي يجلس بين أبناء شعبه». فلهذه المقولة عدة دلالات وإفادات وإيقاعات جعلتني أفتش دوما عن وقعها على قاضٍ عربي يعمل في جهاز القضاء الإسرائيلي، وفقا لقوانين الدولة وأحكامها، لاسيّما إذا أراد ذلك القاضي أن يستعين بحكمة هذه المقولة في قضية ما، وشعبه، بطبيعة الحال، ليس شعب زميله القاضي اليهودي. كيف، إذن، «سيجلس» القاضي العربي «بين أبناء شعبه» ويهتدي بنبضه في هذا الواقع العبثي!

يمكننا أن نتخيّل كمّا كبيرا من الأمثلة والحالات الإشكالية التي صادفها ويصادفها القضاة العرب أثناء تأدية عملهم في المحاكم الإسرائيلية، كانت تستدعي المواجهة أو التفكيك؛ لكننا لم نلمس ولم نقرأ في تاريخ هذه المحاكم، إلا في حالات نادرة جدا، عن مثل تلك المواجهات أو عن خروج القضاة العرب عن «روح العملية القضائية» العامة التي يظللها سقف القوانين الإسرائيلية وتسيّجها قواعد تراتبية الجهاز القضائي وقواعد اتباع نظام السوابق بينها وضرورة المحافظة على «دفء الإجماع القضائي». ولعل مشاركة القاضي خالد كبوب نفسه في صياغة عشرات الأحكام التي أصدرتها هيئات القضاة بالإجماع وبمشاركته كأحد أعضائها، تشهد على هيمنة «روح العملية القضائية» وسقفها الأعلى، أي روح القوانين الإسرائيلية وغاياتها.

كانت قضية تعيين قضاة عرب في الجهاز القضائي الإسرائيلي إشكالية منذ البداية؛ ففي حين كانت جهات عديدة، عربية ويهودية، سياسية ونقابية، تطالب بضرورة تعيين قضاة عرب كخطوة على طريق جسر فجوة التمييز العنصري ضد المواطنين العرب، تساءل البعض، هل حقا يُعدّ تعيين قضاة عرب في هذا الجهاز إنجازا يصب في صالح المواطنين العرب؟ عن نفسي أقول إنني كنت أؤيد تعيين القضاة في جهاز القضاء الإسرائيلي، على أن يكونوا أكفاء وقادرين، وعندنا مثل هؤلاء كثيرون. أيّدت ذلك رغم أن حكام إسرائيل العنصريين كانوا يريدونهم قضاة في المحاكم «وعربا طيبين» خارجها. لكنهم تركوا لمن تجرأ منهم على الكلام هوامش للتصرف الحر والاستهداء بنبض شعبهم، ولنا في بعضهم أمثلة وعبرا. أما في هذه الأيام، في زمن الدولة اليهودية الخالصة، فقد تغيّرت المعادلة من أساسها، وصار تعيين العربي قاضيا يُعدّ من الحالات العسيرة أو الزخرفية الزائفة، وعندما يحصل ذلك يؤكد، على الأغلب، أن «حالة الشذوذ» بلغت ذروتها؛ فلا مكان لقاض عربي، مهما كان طيّبا، في مملكة إسرائيل الجديدة.

مقالات ذات صلة