
بينما تشتدّ رحى الحرب
د. صبري صيدم
حرير- بينما تشتدّ رحى الحرب الحالية، وتشتعل المنطقة برمتها، وتنشغل شاشات العالم بمواقع النار المتّغيرة، وصور الصواريخ العابرة لصمت السماء، وعودة جمهور الجنرالات المتقاعدين، وخبراء الحروب إلى شاشات الفضائيات العربية والغربية، تقف فلسطين في زاوية المشهد، خارج أولويات الكاميرا، واهتمامات الإعلام. فالحرب ليست خبراً عاجلاً، أو شريطًا أحمر أسفل الشاشات فحسب، بل حدثاً متواصلاً يحتل تلفزيونات بيوت البشرية، بصورة تتجاوز تفاصيل الحياة الصغيرة، وسيل الأخبار المعتادة، لتركز البشرية في معظمها على ما هو وليد اللحظة بانتظار، حدث جديد.
في حال كهذه، تتحول أولويات التركيز من المعتاد إلى المستجد، لتقف القدس العاصمة، التي أتعبها التاريخ وظلم الاحتلال، لتئن تحت ثقل الاقتحامات والقيود، وحصار الأحياء. هناك تُفرض الحواجز والاقتحامات والمتاريس والعوائق، بينما يُعامل أهلها كغرباء في مدينتهم، في مشهد يعيد التأكيد على فداحة الظلم وبشاعته.
أما بقية الضفة الغربية، فليست بحال أفضل؛ فحواجز الاحتلال تتصاعد يومياً، لتقطع تواصل الجغرافيا، بينما يتألم الناس بفعل التضييقات العسكرية وبوابات البؤس الحديدية، التي لو امتلكت القدرة على التمدد والتنغيص أكثر لفعلت. الحياة هناك باتت تضبط على إيقاع هجمات المستوطنين المتصاعدة، تحت وطأة سلاحهم ورغبتهم المتزايدة باقتلاع الفلسطيني من أرض أجداده. هناك تُصادر الأرض قطعةً قطعة، ويُدفع الناس إلى حدود جديدة من الضيق الذي يحاصر الأمل.
وفي غزة، حيث السماء ملبدة بالضيم والحصار، والبحر تحتله شواطئ الكرب، يستمر النزيف اليومي، قصف وتشريد، رحيل وترحال، وأجيال تترعرع تحت نحيب الطائرات، لا على صوت المدرسة. هناك، تستمر رائحة البارود بالامتزاج ببصيص لا ينقطع من الأمل والعناد والإرادة. كل ذلك يحدث بينما العالم منشغل بحرب جديدة لتتحول معها، النكبة الفلسطينية المستجدة إلى خبر مهمش في كتاب الجشع المستدام. تُعقد المؤتمرات الصحافية اليوم، وتُطلق البيانات والبيانات المضادة، وتُتلى عبارات التعبير عن القلق العميق، من دون أن يتغيّر شيء على أرض الواقع، في زمن ملّ الناس استدامة الأزمات والنزاعات ليقول بعضهم: كفى للاحتلال، فمن دون أن تمتلك الدول الوازنة الجرأة والرغبة على لجم إسرائيل ووقف مشروعها الاستيطاني، سيبقى مشهد البؤس حاضراً لا محالة.
إنها مفارقة قاسية لكل فلسطيني ومحب لفلسطين؛ فتبدل خرائط النفوذ في العالم، ورسم خطوط تماس جديدة بين قوىً كبرى، تغيب عن ذاكرتها القضية الفلسطينية وحق شعب بأكمله يعيش تحت نير الاحتلال، وكأن قدر فلسطين وأهلها أن تبقى مرتبطة بظلم عميق، وببنية قمع متجذرة. وكأن الفلسطيني أيضاً لا ينتظر نهاية حربٍ عالمية ليبدأ حياته؛ بل لينتقل إلى الحرب التي تليها مجبراً. ومع ذلك، يبقى الفلسطيني متجذراً بأرضه، يجدد كل يوم رابطة الوفاء والانتماء، لكل غصن وزهرة يعينانه على الصمود في وجه العاصفة. في المقابل وفي القدس تحديداً، تُفتح المحال أبوابها كل صباح في تحدٍ واضحٍ لقوانين الظلم، بينما يستمر الفلاحون في زراعة أرضهم رغم خطر المصادرة. وفي غزة، يقاتل الأطفال روابط الإنترنت ليصلوا إلى مدارسهم، ويضمنوا استمرار مسيرة العلم والتّعلم رغم القصف وظلم الصواريخ. هذا النوع من الإصرار ليس ترفًا، بل فعل مقاوم وجهد باحث عن صيغة حياة في وجه مشروع يسعى إلى اقتلاع الإنسان من أرضه ووطنه.
الحرب المستعرة اليوم لا بد أن تخبو يوما ما، خاصة مع تبّدل أولويات العالم، لكن الحقيقة التي لا تتبدل أن فلسطين لن تكون يوماً خبرا عابرا، فهي قضية عالمٍ يبحث عن حريته واستقلاله، انسجاماً مع حقه الطبيعي في أن يرى أرضه بلا استعمار ودونما مطامع وحواجز وبوابات. إذن بينما تشتد رحى الحرب، يبقى السؤال الذي يسكن ضمير الإنسانية: كم من الوجع يجب أن يحتمله الفلسطيني قبل أن يتحرك العالم لنصرته؟ وكم من البيوت يجب أن تُنسف قبل أن يدرك الجميع أن الصمت ثمنه دماء ومزيد الانحياز لرواية الاحتلال؟ في زمن ضجيج الحرب وصواريخ الموت، سيبقى الصوت الفلسطيني أصدق من متاهات السياسة ومبررات الموت، وأبقى من كل نشرات الأخبار المتهالكة التي اتخمت بعواجل التطورات ومهالكها. فهل يقتنع العالم بأن ما من أحد يربح الحروب أبداً، لأنه يخسر معها آدميته وصوت الحق؟ ننتظر ونرى.



