
ملاحقة الاحتلال تتصاعد دولياً
محمد عايش
حرير- ثمة تحول مهم في مسار التضامن العالمي مع فلسطين، وهو أن الاحتلال الإسرائيلي بات ملاحقاً في مختلف أنحاء العالم، ما يجعل الإسرائيلي يحسب ألف حساب قبل أن يستقل الطائرة ويُسافر إلى دولة أخرى، وهذه ظاهرة لم تكن موجودة في السابق، بل كان الإسرائيلي يتجول داخل الأراضي الفلسطينية شمالاً وجنوباً، من دون أن يخشى أحداً، أو يحسب أي حساب، فكيف به في دول العالم الأخرى.
بعد الحرب على غزة بات معروفاً، أن المزاج الشعبي العالمي يتضامن مع فلسطين ويرفض الاحتلال، وهذا متوقع، وقد تجلى مراراً في العشرات من مقاطع الفيديو التي تُظهر توجهات الرأي العام العالمي، وكان آخرها ذلك المقطع الذي يوثق طرد الوفد الإسرائيلي من مطعم في إيطاليا، حيث كان النادل في المطعم يصرخ في وجوههم «الحرية لفلسطين»، بينما كانوا يوثقون تلك اللحظة بالفيديو. والمشهد ذاته سبق أن تم تسجيله في إسبانيا، ومرة أخرى في كوريا الجنوبية.. وبطبيعة الحال في إيرلندا، حيث تم طرد أحد الإسرائيليين من مطعم بينما كان يتناول طعامه، بعد أن عرف الناس أنه جندي يخدم في الجيش الإسرائيلي.
لا شك أن التحول في الرأي العام العالمي ملموس، وهذا لم يكن بطبيعة الحال موجوداً في السابق، أو لم يكن بهذا المستوى، لكن الأهم من هذه المظاهر الشعبية والتضامنية مع فلسطين، هو أن من يخدمون في الجيش الإسرائيلي من الجنود، وهم بعشرات، أو مئات الآلاف باتوا يخشون بصورة متزايدة وجدية من الملاحقة القانونية في الخارج، ومن أن يتم التعامل معهم على أنهم مجرمو حرب.
المخاوف لدى الجنود الإسرائيليين مضاعفة في أوساط أولئك الذين يحملون جنسيات أخرى غير الإسرائيلية، وهؤلاء عددهم ضخم، ومن الممكن أن يتم التعامل معهم على أنهم مجرمون، عندما يعودون إلى بلدانهم الأصلية، كما أنه من الممكن أن تتم ملاحقتهم بسبب ضلوعهم في أنشطة إجرامية، ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية، ما يثير موجة رعب وهلع في أوساطهم. وهذه الحالة ليست مسبوقة من قبل. جريدة «يديعوت أحرونوت» العبرية، نشرت تقريراً لافتاً قبل أيام، كشفت فيه لأول مرة عن أعداد الجنود «مزدوجي الجنسية»، وهو رقم ضخم من شأنه أن يعني أن من يخافون من الملاحقة القانونية في الخارج عددهم ليس قليلاً بالمطلق، خاصة مع ظهور مؤسسات متخصصة، مثل «منظمة هند رجب»، تتولى أمر الملاحقة القانونية والقضائية. وحسب الأرقام التي نشرتها الجريدة نفسها، فإنه يوجد 50 ألفاً و632 عسكرياً في الجيش الإسرائيلي يحملون جنسية أخرى، إلى جانب الجنسية الإسرائيلية، ويتبين من المعلومات التي أفرج عنها الجيش الإسرائيلي أن 12 ألفاً و135 من أفراده يحملون الجنسية الأمريكية، وهي النسبة الأعلى بفارق كبير عن بقية الجنسيات، تليها الجنسية الفرنسية بـ6 آلاف و127 عسكرياً، ثم الروسية بـ5 آلاف و67. كما تشمل القائمة أكثر من 3 آلاف عسكري يحملون الجنسية الألمانية، والعدد نفسه يحملون الجنسية الأوكرانية، إضافة إلى أكثر من ألف عسكري، من الجنسيات البريطانية والرومانية والبولندية والإثيوبية والكندية، فيما يتوزع بقية العدد على جنسيات أخرى. ووفق البيانات المنشورة، فإن 4 آلاف و440 جندياً يحملون جنسيتين أجنبيتين إلى جانب الإسرائيلية، بينما يحمل 162 عسكرياً ثلاث جنسيات أجنبية. وهذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها الجيش الإسرائيلي بشكل مفصل عن توزيع الجنسيات الأجنبية بين أفراده، من دون توضيح ما إذا كانوا ضمن القوات النظامية، أو الاحتياط، أو توزيعهم حسب الفئات العسكرية. لكن الكشف عن هذه البيانات والأرقام جاء بطلب من منظمة إسرائيلية غير حكومية. وتداول هذه الأرقام يوضح حجم القلق في أوساط هؤلاء الإسرائيليين، الذين يخشون من الملاحقة في الخارج، وتحديداً في بلدانهم الأصلية، كما أن هذه الأرقام تكشف كم من الجنود يمكن أن يجد نفسه مطلوباً بسبب ارتكابه جرائم حرب، أو مشاركته في الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي.
هذه حالة غير مسبوقة في التاريخ الاسرائيلي، وهذه أول مرة يُصبح فيها الإسرائيلي ملاحقاً في العالم، سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى القانوني والقضائي، حيث تشكل العديد من المؤسسات والتي تضم أعداداً كبيرة من المحامين المتطوعين الذين يعملون على ملاحقة الأفراد الذين يثبت تورطهم في جرائم يتم ارتكابها داخل الأراضي الفلسطينية.



