
لن تأتي واشنطن بالديمقراطية إلى إيران
جلبير الأشقر
حرير- كانت الانتفاضة الشعبية العارمة التي شهدتها إيران بين نهاية العام المنصرم وبداية هذا العام أعظم انتفاضة شعبية عرفتها البلاد منذ الثورة التي أطاحت بنظام الشاه في عام 1979 والتي يجري الاحتفال بذكرى انتصارها كل عام في الحادي عشر من شباط/ فبراير. وفي هذا المسار التاريخي عبرة عميقة: فإن حكماً قام بالفعل على أساس الشرعية الشعبية، متغلباً على ماكينة القمع المروعة التي حازت عليها دولة الشاه، انتهى به الأمر بعد أقل من نصف قرن إلى أن يفرض بقاءه على الشعب باستناده إلى ماكينة قمعية تهون ماكينة النظام السابق مقارنة بها، وبارتكابه خلال بضعة أيام مجزرة تضاهي تلك التي ارتكبها نظام الشاه إزاء الثورة ضده التي دامت أربعمائة يوم حتى سقوطه.
وليست العبرة خاصة بالحالة الإيرانية وحدها، بل تتعلق بكافة الأنظمة الناجمة عن ثورات دموية والتي تدشّن حكمها بارتكاب مجازر، مثلما فعل نظام الملالي في أولى سنواته سعياً لإرساء أسس استدامته، بدل إرساء قرار الشعب الحرّ والفعلي كمصدر أوحد لشرعية الحكم وفقاً للأصول الديمقراطية. وعندما يدّعي نظامٌ جديد استمداد شرعيته، سواء أكانت شرعية فعلية أم مزعومة قياساً بالتأييد الجماهيري، ليس من قرار الأغلبية الشعبية، بل بالدرجة الأولى من إرادة «إلهية» وفقاً لتفسيره للدين، أو إدراك «علمي» قائم على تفسيره للمصلحة الشعبية ولو اختلف عن رأي الأغلبية الشعبية، فإن الحكم الثوري سريعاً ما يستحيل استبداداً، قد يغدو أسوأ بعد من ذلك الذي أطاح به.
وها أن الحالة الإيرانية تشخّص معضلة التغيير الديمقراطي في المنطقة العربية وتنسجم معها. فإن موجتي الانتفاضات العربية، أو ما سمي بالربيع العربي، في عامي 2011 و2019، اصطدمت في نهاية مطافاتها بجدارات من البطش والقمع أدّت إلى إعادة إنتاج الاستبداد، أو الغرق في الحرب الأهلية إن لم تفلح إعادة الإنتاج. وقد بات واضحاً أن الشعب الإيراني يواجه مثل هذا المصير هو أيضاً، فإما أن يستمر النظام الاستبدادي أو، إذا لم يعد قادراً على الاستمرار، تغرق البلاد في حرب أهلية. والاحتمال الأخير هو ما أسمته بعض الأبحاث في الشأن الإيراني «السريَنة» نسبة إلى ما حلّ بسوريا بعد اندلاع الثورة فيها قبل خمسة عشر عاماً.
في عالم مثالي، مسيّر على أساس ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان والقوانين الدولية، قد يبدو أن الخروج الأمثل من المأزق الموصوف أعلاه يكون بتدخل «المجتمع الدولي» لفرض الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، ولو اقتضى الأمر تدخلاً عسكرياً لمساعدة الشعب على الإطاحة بالحكم الاستبدادي. وفي صيغة أقل مثالية، قد يبدو أنه يكفي أن تكون القوة العظمى قائمة على أساس الديمقراطية كي تقوم هي بفرض الانتقال بمفردها أو بصحبة حلفائها. وقد ظنّ الكثيرون في المنطقة العربية أن هذا الوقت قد حان عندما ادّعت إدارة جورج دبليو بوش أنها ساعية لإشاعة الديمقراطية في المنطقة، وهو خطاب «المحافظين الجدد» الذي وفّر ذريعة أيديولوجية للمطامع الإمبريالية الأمريكية بالعراق وثروته النفطية. فهلّل الموهومون للحملة على العراق، لاسيما العراقيون منهم، كما والسوريون الذين اعتقدوا أن دور بلادهم سيتبع.
ونعلم بقية القصة العراقية: حاولت سلطات الاحتلال فرض مشيئتها ونظاما متناسبا مع مصلحتها، لكن حراكاً شعبياً كبيراً بحفز من السيّد على السيستاني أحبط مشروعها بحيث انتهى الأمر إلى إرساء نظام ديمقراطي برلماني تشوبه مساوئ النظام السائد في لبنان من طائفية وفساد، لكنّه أرحم بالتأكيد مما كان عليه نظام الاستبداد البعثي، بل وأكثر ديمقراطية من سائر الأنظمة العربية. والحال أن أسوأ ما يشوب الديمقراطية البرلمانية العراقية هو وجود ميليشيات طائفية هي أذرع لنظام الملالي المجاور ولا تتردّد في قمع الحركات الشعبية مثلما فعلت إزاء انتفاضة عام 2019.
أما سوريا، فقد أكدت تجربتها أن الحرص الأمريكي على الديمقراطية في العراق لم يكن سوى غطاء منافق لمطامع إمبريالية، وأكبر دليل على ذلك أن الحرص المزعوم تزامن مع توطيد علاقة واشنطن بأنظمة نفطية استبدادية حليفة لها. وقد عنى الأمر أيضاً أن لا مصلحة ولا اهتمام لدى واشنطن بإحلال الديمقراطية في سوريا، إذ ليس لدى هذا البلد ما يجذب المطامع الأمريكية. بيد أنه لا شك في أن هذا الشرط الأخير متوفر في إيران، التي تعيرها واشنطن اهتماماً بالغاً ليس لحساسية دورها في منطقة الخليج ذات الخطورة الاقتصادية والاستراتيجية العالية وحسب، بل أيضاً لكون طاقتها الاقتصادية عظيمة.
وقد يكون هذا الأمر ما حدا قسم هام من شعب إيران على تصديق نفاق دونالد ترامب في دفاعه عن المتظاهرين الإيرانيين وادّعائه أنه لن يسمح بقمعهم. بيد أن الوهم هنا أكبر وأخطر بعد مما كان في حالتي العراق وسوريا في أولى سنوات القرن الراهن. ذلك أن دونالد ترامب وإدارته أبعد ما يكونون عن «المحافظين الجدد»، فلا يدّعي قط الرئيس الأمريكي السعي لإشاعة الديمقراطية في الجنوب العالمي، وعلى الأخص في الشرق الأوسط (أنظر «لا… لم يتبنّ ترامب سياسة تغيير النظام»، 6/1/2026). وكما أثبت في فنزويلا، فجلّ ما يصبو إليه هو فرض مشيئته على النظام القائم، أي فرض ما يناسب المصلحة الإمبريالية الأمريكية، فضلاً عن مصالحه الشخصية والعائلية، ولو اقتضى الأمر قطع رأس النظام مثلما فعل بخطفه الرئيس الفنزويلي ومثلما يهدد أن يفعل الآن إزاء المستبد الإيراني.



