
عودة قوية للملكية
سلامة الدرعاوي
حرير- استطاعت الخطوط الجوية الملكية الأردنية عبر مسارين متوازيين، أن تنتقل من مرحلة الانكماش الحاد إلى الربحية، ومن خطر التصفية إلى توسيع الأصول، في واحدة من أكثر قصص التحول المؤسسي وضوحًا في الاقتصاد الأردني الحديث.
وفي عام 2020، ومع دخول جائحة كورونا، كانت الشركة شبه متوقفة عن العمل، الطيران متعطل، والخسائر التشغيلية تتراكم، حيث استمر الإغلاق لأشهر طويلة، ثم جاء عام 2021 بانفراجة محدودة لم تمنع زيادة الخسائر، وفي 2022 بدأت الخسائر بالانخفاض تدريجيًا، وفي 2023 واصلت الشركة تقليص خسائرها بفعل عمليات تشغيلية وإدارة حصيفة، إذ إن الربع الثالث من عام 2023 سجل ربحًا يقارب 15 مليون دينار، قبل أن تنقلب المعادلة مجددًا بعد أحداث 7 أكتوبر، لتعود الشركة إلى خسائر بسيطة فرضتها الظروف الإقليمية.
لكن عام 2025 شكّل نقطة التحول الحقيقية، فقد أعلنت الملكية تحقيق صافي ربح بلغ 21.5 مليون دينار، متضمنًا أرباحًا رأسمالية غير متكررة، مقارنة بصافي خسارة قدرها 3.5 مليون دينار في عام 2024، وفي الوقت ذاته ارتفعت الإيرادات التشغيلية بنسبة 11 % لتصل إلى 829 مليون دينار، وارتفع عدد المسافرين بنسبة 18 % ليبلغ 4.4 مليون مسافر مقابل 3.7 مليون مسافر في العام السابق، مع تحقيق معدل امتلاء تاريخي للطائرات وصل إلى 81 %، وهو الأعلى في تاريخ الشركة.
الأهم أن هذه القفزة المالية جاءت بالتوازي مع خطة تحديث الأسطول، إذ إن اليوم تمتلك الشركة نحو 30 طائرة، ومع نهاية هذا العام يُتوقع أن يصل العدد إلى حوالي 36 طائرة، جميعها من أحدث الطرازات.
وخلال العام الماضي أدخلت الملكية 19 طائرة حديثة وأخرجت 12 طائرة أخرى، ليكتمل تحديث ما يقارب 70 % من الأسطول، في خطوة رفعت كفاءة التشغيل وخفضت كلف الصيانة والوقود على المدى المتوسط.
على صعيد الأثر الوطني، نقلت الملكية 826 ألف سائح إلى المملكة خلال عام واحد، وأسهمت في دعم قطاع السياحة رغم التحديات المستمرة، بما فيها ارتفاع كلف الوقود، وعدم وجود أي معاملة تفضيلية في مطار الملكة علياء، إضافة إلى التأخيرات العالمية في تسليم الطائرات بسبب اضطرابات سلاسل التوريد، ومع ذلك، وضعت دقة مواعيد رحلاتها الشركة ضمن أفضل خمس شركات طيران عالميًا.
ماليًا، لم تحصل الملكية على دعم تشغيلي حكومي كما فعلت شركات منافسة في المنطقة، إذ إن كل ما تلقته خلال السنوات الخمس الماضية كان 70 مليون دينار، استُخدمت ضمن إعادة هيكلة وجدولة ديون، لا كتمويل يومي.
وفي المقابل نجحت في استعادة ثقة السوق، إذ بات أكثر من 60 % من ركابها من الأجانب، وهو مؤشر مباشر على تحسن الملاءة والصورة الذهنية.
هذه الأرقام مجتمعة تشرح لماذا يمكن وصف 2025 بالعام الاستثنائي، فالشركة لم تكتفِ بتحقيق أرباح تجاوزت 21 مليون دينار تقريبًا، لكن فعلت ذلك بالتوازي مع تحديث الأسطول، وزيادة عدد المحطات، ورفع أعداد المسافرين، وتنمية الموجودات، وكل ذلك دون تحميل الخزينة أي أعباء إضافية.
الخلاصة الاقتصادية واضحة: ما جرى منذ 2020 مرورًا بـ 2021 و2022 و2023 وصولًا إلى 2024 ثم قفزة 2025، يؤكد أن الإدارة الفاعلة قادرة على تحويل مؤسسة كانت على وشك التلاشي إلى شركة رابحة.
وهذا نموذج عملي لكيف يمكن لمسارين متوازيين- ضبط الأداء التشغيلي وتحديث الأصول- أن يصنعا تعافيًا حقيقيًا في قطاع عالي المخاطر مثل الطيران.



