
ترامب….إدارة الفوضى بالصدمة وتقويض النظام العالمي!!
د. عبد الله الشايجي
حرير- واضح ترامب ليس رئيسا تقليديا بخلفيته من خارج مؤسسة الحكم الأمريكي. وبالتالي غير مقيد بمعايير وضغوط اتباع الأسس التي تقوم عليها مؤسسات الدولة العميقة الأمريكية على مدى 250 عاماً عمر الولايات المتحدة التي تحتفل هذا العام بالذكرى 250 لقيامها كنظام بدأ كونفدراليا- ثم فيدراليا جمهوريا بأول دستور مكتوب يقسم ويوزع السلطات الثلاث بين ثلاثة مراكز قوى-السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تراقب وتحاسب بعضها البعض لمنع طغيان سلطة على الأخرى.
لكن منذ الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة زاد نفوذ وسطوة الرئاسة التنفيذية الأمريكية. حتى برزت دراسات عن الرئيس الإمبريالي. ومع ترامب الذي لا يتقيد بضوابط نظام الحكم، بتجاوز صلاحياته الدستورية- بشن عمليات عسكرية، وزيادة الرسوم الجمركية على الحلفاء خاصة الجيران في كندا والمكسيك والحلفاء الأوروبيين، وقبضته الحديدية بضبط الحدود، وإرسال الحرس الوطني للمدن والولايات التي يحكمها الديمقراطيون، وصولا لهوسه بتوسيع مساحة أمريكا بمطالباته غير الواقعية والتقليدية بضم كندا لتصبح الولاية 51-والاستحواذ والتلويح بعمل عسكري لضم غرينلاند أكبر جزيرة في العالم بموقعها الجيو-استراتيجي شمال أوروبا على حدود المحيط المتجمد الشمالي بالشراء من الدنمارك أو القوة وهي الحليف في الناتو، ما أدى لغضب ورفض أوروبي جماعي لبلطجة الولايات المتحدة ضد حليف موثوق. ويهدد بتفكك أقوى حلف عسكري عرفته البشرية. ويحقق لبوتين والصين ما عجزا عن تحقيقه على مدى نصف قرن من إحداث شقاق وفرقة داخل التحالف الأمريكي-الأوروبي-وحلف الناتو بالتحديد. قبل أن يتراجع ترامب عن تهديده في قمة دافوس الاقتصادية الأسبوع الماضي. بعدما نزفت البورصة الأمريكية بجميع المؤشرات بخسائر تجاوزت قيمتها السوقية 1.4 تريليون دولار واستياء وغضب أوروبي عارم والتهديد بالرد بالمثل برفع الرسوم على صادرات البضائع الأمريكية إلى أوروبا.
لكن الضرر قد وقع، بتآكل ثقة الحلفاء الأوروبيين والجيران وحتى في منطقة الخليج العربي بعدم التعويل كلياً على أمريكا! في رئاسة ترامب الذي لا يقيم وزنا للتحالفات والاتفاقيات والمعاهدات والقانون الدولي والأمم المتحدة وقراراتها كمرجعيات مهمة لحل الأزمات. خاصة بعد نشر وثيقتي استراتيجية الأمن الوطني والدفاع الوطني.
يمكن وصف عام ترامب الأول في ولايته الثانية والأخيرة، بالعام العاصف بالصدمات والابتزاز والصفقات، وبإنجازات وإخفاقات وتجاوزات. وقد عزّزت سياساته الانقسام والاستقطاب الداخلي، وألغى مفهوم الحوكمة، وجاهد بالانتقام من خصومه ومحاكماتهم لإذلالهم. ومنح وزارة العدل ومكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) صلاحيات واسعة. وإرسال قوات الحرس الوطني لترهيب حكام الولايات وعمد المدن التي يحكمها الديمقراطيون. وإطلاق عناصر أمن الحدود والهجرة لتعقب المقيمين بطريقة غير شرعية، وصلت لاقتحام منازلهم وتوقيفهم في الشوارع وتعنيفهم وضربهم وحتى قتل مواطنين أمريكيين. حتى صار الأمريكي يحمل جواز سفره ليثبت أنه مواطن!!!
في الشأن الخارجي، برغم مبالغاته المتكررة “أوقفت ثماني حروب”! وهوسه بأحقيته بالفوز بجائزة نوبل!! ليكتب رسالة انتقاد لرئيس وزراء النرويج، يوبخ لجنة نوبل للسلام لتجاوزه ومنحها الجائزة لماريا ماتشادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية التي أدركت نقطة ضعفه -فأهدته جائزة نوبل للسلام لكسب وده وتنصيبها رئيسة لفنزويلا!! مخالفة لوائح الجائزة-بأنها شخصية وغير قابلة للإهداء لغير الفائزين بها.
ورغم ذلك قوضت سياسات وتجاوزات ترامب التي لا تقيم وزنا للقانون الدولي والأسس والمعايير وسيادة الدول في النظام العالمي، الذي أسسته وقادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية!!
أخطر ظواهر عام ترامب وإدارته، هو تنمره على الحلفاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وكندا. والتعامل بلطف، وتفهمه وجهة روسيا!! ما دفع الكرملين للإشادة بـ”استراتيجية الأمن الوطني الأمريكية”!! ووصل ترامب لقمة الاستخفاف بالقانون الدولي باختطافه الرئيس الفنزويلي مادورو؟ وتهديده بالاستحواذ على غرينلاند؟ والتهديد بضرب وتغيير النظام الإيراني؟ ما يعمق تراجع الثقة بين الولايات المتحدة والحلفاء في أوروبا، وكذلك مع الحلفاء الخليجيين القلقين، الذين يبحثون عن بدائل!
وما إصرار ترامب على تشكيل ورئاسة “مجلس السلام” لإدارة وحل الأزمات بدءا من غزة، وممارسة الوصاية، وضمه شخصيات مثيرة للجدل وحتى مجرمي حرب في عضويته مثل نتنياهو وبوتين ويمينيين متطرفين مثل أوربان رئيس وزراء هنغاريا. وتحويل غزة المدمرة بشرا وحجرا لمشروع تجاري عقاري استثماري دون ضم أي ممثل للسلطة الفلسطينية في المجلس الذي قاطعه ورفض عضويته كبرى الحلفاء الغربيين الكبار مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا والسويد ونيوزيلندا وغيرهم، بحجج تجاوز المجلس دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغياب المشاركة الفلسطينية. ورفض انضمام روسيا إلى عضوية “مجلس السلام” تأكيد على الخلاف الحاد داخل التحالف الغربي.
طبعا هؤلاء الحلفاء الغربيون منافقون. هم من سكتوا وساندوا ولم يحركوا ساكنا سوى تأكيد على الخلاف الحاد داخل التحالف الغربي. مع حرب إبادة بايدن أولا وترامب لاحقا على غزة. وصمتوا بعد خرق ترامب القانون الدولي والاعتداء على سيادة الدول وخطفه مادورو لمحاكمته بتهم تخالف ما يعرف بالحصانة السيادية لرؤساء الدول!! وفوقها تنصيب ترامب نفسه رئيساً بالتكليف لفنزويلا. والإشراف على بيع نفطها وإدارة البلاد!! كما سيكرر مع إيران. وإدارة قطاع غزة ومصادرة الأراضي وتشجيع تهجير سكانها بعد فتح معبر رفح، لبناء منتجعات ريفييرا الشرق على أنقاض المقابر الجماعية لحوالي 80 ألفا بين شهيد ومفقود تحت الأنقاض. أبادتهم حرب إسرائيل، بدعم وتمويل وسلاح أمريكي-غربي!
لكن الحلفاء الأوروبيين انتفضوا وصاروا على قلب رجل واحد برغم عجزهم أمام طغيان ترامب لخشيتهم من استفزازه، بتهديده الاستحواذ على غرينلاند، وتهديده للأمن الأوروبي.
المفارقة-يخشى الأوروبيون لعقود تهديد روسيا بوتين لأمنهم-خاصة بحربه على أوكرانيا-ليُصدموا بالتهديد الواقعي لتهديد أمنهم من الحليف الأكبر الولايات المتحدة! ومعه أمن واستقرار النظام العالمي. والصادم جميع تلك الأحداث العاصفة كانت في عام ترامب الأول!!



