الذهب يتجاوز 5 آلاف دولار للأونصة.. ما علاقة سياسات ترمب؟

حرير – سجّل الذهب قفزة تاريخية غير مسبوقة، متجاوزًا حاجز خمسة آلاف دولار للأونصة، في تحرّك لا يمكن فصله عن المسار السياسي والاقتصادي الذي فرضته سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط تراجع الثقة بالدولار وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية.

ومع هذا الاختراق القياسي، لم يعد الذهب يُنظر إليه بوصفه مجرد ملاذ آمن في أوقات الأزمات، بل بات أداةً لتصويب المخاطر المرتبطة بالدولار والنظام النقدي العالمي.

الذهب عند مستويات قياسية

لامست العقود الآجلة للذهب مستوى 5100 دولار للأونصة، بعد ثلاثة أشهر فقط من كسر حاجز الأربعة آلاف دولار، وهو مستوى كان يُعد حتى وقت قريب غير قابل للتصديق.

التحول الأكثر خطورة، وفق مراقبين، يتمثل في بدء إحلال الذهب محل السندات الحكومية طويلة الأجل، التي لطالما شكّلت الركيزة الأساسية للتحوط لدى المستثمرين.

وتقول المحللة دانييلا هاثورن من Capital.com إن القمم القياسية التي يسجلها الذهب تعكس ضغوطًا متزايدة على النظام العالمي، مع سعي المستثمرين إلى أصول تقع خارج نطاق التقدير السياسي.

سياسات ترمب في قلب المشهد

لعبت سياسات ترمب دورًا مباشرًا في تسريع صعود الذهب، لا سيما من خلال:

  • إطلاق حروب تجارية واسعة
  • تهديد الحلفاء الأوروبيين
  • ربط الرسوم الجمركية بملفات سياسية حساسة وهو ما أعاد إلى الواجهة شبح حرب تجارية عابرة للأطلسي.

في وول ستريت، يُعرف هذا المسار بمصطلح “صفقة إضعاف العملة”، في إشارة إلى المخاوف من أن تؤدي سياسات العجز المالي والتضخم والرسوم الجمركية إلى تآكل قيمة العملات، وعلى رأسها الدولار الأميركي.

وبالفعل، ساهم وابل الرسوم الجمركية الذي أطلقه ترمب مطلع عام 2025 في تسجيل أسوأ نصف أول للدولار منذ خمسين عامًا.

ضغوط على الاحتياطي الفيدرالي وهزات سياسية

لم يقتصر التصعيد على التجارة، إذ صعّد ترمب حملته ضد الاحتياطي الفيدرالي، وضغط علنًا لخفض أسعار الفائدة، في وقت طالت فيه التحقيقات رئيسه جيروم بأول.

وفي الشهر الأول من هذا العام، تعرضت الأسواق العالمية لهزات حادة، تزامنت مع:

  • اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
  • مساعي ترمب للسيطرة على غرينلاند ومواردها المعدنية
  • تصاعد المخاوف من إغلاق حكومي أميركي يعكس عجز النظام السياسي عن إدارة المالية العامة

هذه التطورات مجتمعة زادت الضغط على الدولار، وعززت جاذبية الذهب عالميًا، خصوصًا لدى المستثمرين غير المعتمدين على العملة الأميركية.

وتقول محللة الأسواق المالية البريطانية سوزانا ستريتر إن الذهب “لا يعترف بالحدود” في ظل هذه البيئة الجيوسياسية المتوترة.

حمى الذهب في البنوك المركزية

في الخلفية، تشهد الخزائن الوطنية موجة متسارعة من تكديس الذهب.

وفي عام 2026، لم يعد المعدن الأصفر أداة تحوط للأفراد فحسب، بل تحول إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات الأمن القومي للبنوك المركزية، لا سيما بعد استخدام الذهب أداةً للعقوبات  .

 

هذا التوجه تسارع منذ عام 2022 عقب العقوبات المفروضة على روسيا، ومعه بدأ تحول عالمي أوسع نحو تقليص الاعتماد على الدولار كعملة احتياط وحيدة، والبحث عن أصول لا يمكن تجميدها أو تسييسها.

وتشير استطلاعات مجلس الذهب العالمي إلى أن هذا الإقبال ليس مؤقتًا، إذ لا تزال بنوك مركزية عديدة تخطط لزيادة احتياطاتها من الذهب خلال العام المقبل، رغم تجاوز الأسعار حاجز الخمسة آلاف دولار.

إلى أين يتجه الذهب؟

التاريخ يدعم هذا المسار التصاعدي، إذ سجل الذهب مكاسب تفوق 20% خلال السنوات الست الماضية، ومع ارتفاعه بأكثر من 17% منذ بداية 2026، يرى محللون أن الاتجاه الصاعد لم يبلغ ذروته بعد.

وبحسب رابطة سوق لندن للسبائك، تتراوح التوقعات بين 5400 و7000 دولار للأونصة، وسط إجماع على أن عدم اليقين السياسي، وخصوصًا الأميركي، سيبقى المحرك الأساسي للأسعار.

في المحصلة، لا يرتفع الذهب لأنه معدن نادر، بل لأن الثقة بالدولار تتراجع. ومع استمرار الصدمات السياسية في ظل إدارة ترمب، قد لا يكون السؤال: لماذا كسر الذهب حاجز 5 آلاف دولار؟ بل: إلى أي مدى ما زال الدولار قادرًا على أداء دور الملاذ الأول في ظل الوضع السياسي الراهن؟.

 

مقالات ذات صلة