
حتى لا نكون وجبة على مائدة مجلس ترامب الاستعماري
لميس أندوني
حرير- “إذا لم تكن حاضراً على الطاولة، تكون جزءاً من قائمة الطعام”… رئيس وزراء كندا مارك دارني، دافوس، 20/1/2026
قد يكون الأوان قد فات أن لا نكون على قائمة طعام مجلس ترامب الاستعماري، المسمّى “مجلس السلام”؛ فنحن على مائدة طعام قوى الاستعمار الحديث منذ ما قبل النكبة وإقامة المشروع الكولونيالي على أرض فلسطين عام 1948 وما تلاها من خضوع وتبعية لأميركا والقوى الغربية، مروراً بغزو العراق وتدميره، ووصولاً، وهي ليست النهاية بعد، إلى حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في غزّة وضم القدس الشرقية وتسريع ابتلاع الضفة الغربية.
مجرّد وسم المجلس باسم السلام وعلى أراضي أهالي غزّة وأشلائهم، وحده كافٍ ليرسم قباحة المشهد الاستعماري المقبل، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يأبى إلا أن يمعن في الإهانة وفرض الخنوع بعرض المجلس وبيانه التأسيسي في منتدى دافوس الاقتصادي، وكأنها مجلسه الخاص لحكم العالم، بدون أي شريك أو حليف. ولكن الصورة المشينة كانت في عرض صهره جاريد كوشنر، عضو مجلس “نهب غزّة” الرسمي خريطةً لمشاريع “غزّة الجديدة” تحت مسمّى “السياحة في غزّة” على الشارين والمساهمين، فلا وجود لأرض ولا وطن.
بصراحة، دافوس، المؤتمر السنوي لأثرياء العالم وحُكّامه، هو المكان المناسب لمثل هذه العملية المعيبة، لكن، حتى أعضاء منتدى الأغنياء شعروا بالامتعاض وربما بالخجل. ولذلك رأينا التصفيق الحار لخطاب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، الذي نزع القناع عن اللعبة في خطاب تاريخي تمرّد فيه على ترامب واعترف بزيف النظام العالمي القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأقرّ بتواطؤ جميع الدول الغربية بالتظاهر باحترام القوانين والمواثيق فيما يُطْبِق الصمت على تجاوزها وخرقها، بل المشاركة في استباحة الحقوق والشعوب لاقتسام المغانم والمكاسب.
المشكلة في خطاب كارني ليس كلامه، معظم ما جاء به يليق بثائر أممي ومفكر راديكالي، الخلل في الخطاب في عدم المناداة بوقف مهزلة النهب العالمي الماثلة أمامه، وكأن غزة وفنزويلا في كوكب آخر، ودعوته إلى تضامن وتوحيد جهود الدول “متوسّطة القوة”، وهو يقصد بلده والقوى الأوروبية الغربية الرئيسة وأستراليا، لمواجهة القوة الأميركية المنفلتة.
لكن، ماذا عن بقية العالم؟ فالسيد كارني رأى الخلاص في تحالف “القوى الرأسمالية والأكثر اعتدالاً”، وإلى الحفاظ على مصالحها، فمواجهة ترامب تتطلب الاشتباك، من خلال اتخاذ سياسات لتحصين اقتصادات هذه الدول حتى لا تكون على قائمة طعام ترامب… أما نحن في الجنوب ومعظم الفئات الاجتماعية الكادحة في أوروبا والأميركيتين فلسنا في حسبان كارني ولا القوى الغربية، وليس لنا إلا أن نطمح أن نكون على قائمة طعام الإمبراطورية الأميركية.
ما نراه من مهزلة ندب مسؤولين غربيين ومثقفين لبراليين أفول النظام العالمي، إن هي إلا الخوف، بعد أن أسقط ترامب القناع الحضاري لسرقة الشعوب وغزوها والسكوت على المجازر وحرب الإبادة في غزّة لمراكمة الأرباح والثروات من تجارة الأسلحة، بل من مؤسسات “المساعدات الإنسانية”. بل هو امتداد للاستعمار القديم الذي تطوّرت أساليبه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأخذَنا ترامب في قفزة نوعية لنهب الشعوب والدول وإخضاعها، بمشاركة من “السيستم” الأميركي.
لذا تكون معظم اعتراضات هؤلاء على الحرمان من المكاسب ومن تكملة التظاهر بالالتزام بالإنسانية وحقوق الإنسان وحماية الحضارة في مواجهة المتوحشين من أمثالنا من طالبي الحقوق والسيادة والحرية، فهذه حكر على من يجيد تمثيل الدور الحضاري فيما تداس الحقوق. وهذا يجب أن يوصلنا إلى استنتاج واضح: ترامب وشلته من المستثمرين لم يغيّروا رؤيتهم إلى غزّة منذ الشهر الأول من حرب الإبادة الصهيونية ضد أهل غزّة، فما رأته عيون كوشنر وويتكوف وترامب هو مشروع عقاري يهدم (ويدفن) حقوق السكان الأصليين، أي الشعب الفلسطيني، ليس بالوجود الجسدي البيولوجي بشكل تام، وإنما بنزع الوعي القومي والجمعي وقطع صلته بالمحيط العربي. فكل فكرة المعاهدات الإبراهيمية التي وُقعت بين إسرائيل والإمارات ودول أخرى، هي إنهاء الوعي الجمعي بالقضية الفلسطينية لوأد الهوية نفسها التي تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل. وأهمية إسرائيل هنا هي بوصفها ممثلاً لهوية استعمارية استيطانية تكون امتداداً للهيمنة الاستعمارية الغربية.
وعليه، أي نقاش جاد لمجلس ترامب، تحت أي مسمّى، ولدور اللجنة الإدارية الفلسطينية، لا يمكن أن تكون جدّية بدون فهم أبعاد تحويل غزّة إلى نموذج لمستعمرة أميركية إسرائيلية، يحكمها ثلة المستثمرين المشمولين بالمشروع والجيشان الإسرائيلي والأميركي، وإن قد يتناقض ذلك كله جزئياً مع طموحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فالمسألة الرئيسة عند ترامب ليست تحقيق المشروع الصهيوني، وإنما تسخيره لخدمته، أي إن إقامة دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ليسا على الأجندة، ومن ثم، يجب عدم الانسياق إلى وهم أن أميركا مستعدة لإعادة بناء مجتمع فلسطيني الهوية في غزّة، بل المطلوب سكان يخدمون المستعمرة الاستثمارية، فغزة لم تفضح المتخاذلين فحسب، بل كشفت كل الأوراق، لكن الحل ليس فلسطينياً محضاً، بل يشترط وعياً عربياً بأن المشاركة فيما يسمّى مجلس السلام لا يجعلهم شركاء، وإنما يريد ترامب أن يكونوا شهود زور، ومموّلين لمشاريعه الاستثمارية وتمديدها إلى العالم العربي وأبعد.
لمزيد من الدقة، الحقيقة أن الإمبراطورية الأميركية تريد الأموال العربية لتمويل تصفية القضية الفلسطينية، ومشاريع مشتركة مع إسرائيل تنهي أي مطالب بأي حق عربي، إذ تربط كل القطاعات الحيوبة بها.
غير أن هذا الهدف ليس جديداً، الجديد وصول القوة الأميركية إلى هذه الدرجة من الغطرسة، التي تتركنا وحدنا بالرغم من استياء الدول الغربية التي تشعر بالإقصاء، وإن كانت هناك نافذة للتعاون معها حول وقف إنهاء عمل المنظّمات الدولية.
يتمثل التحدّي الحقيقي في وحدة الفلسطينيين، باعتبارها ضرورة وليست خياراً ندرسه، والتنسيق العربي بل الإقليمي، فمقترحات مثل تشكيل ائتلاف مصري سعودي تركي ضروري، بدون إقصاء إيران أو تجاهلها، فما دعا إليه رئيس الوزراء الكندي من توحيد الجهود بين “القوى متوسّطة القوة” يمكن أن يُحتذى به بدعوة مماثلة في الإقليم، لأن الوضع يتطلب، كما يتطلب دائماً، توحيد الجهود مع دول الجنوب، فهي هدف الإمبراطورية الأساس، لكننا نحن الأكثر تقصيراً، فلم يصدر أي رد فعل أو أي تضامن مع فنزويلا، بعد ما حدث فيها، وكأننا ضامنون أننا لن نلحق بها، فيما يستمر ترامب في تهديد كوبا وكولومبيا والمكسيك، وهي الدول التي بادرت بالتضامن الأممي ضد حرب الإبادة. ولعل الشرط الأول لإظهار رفضنا ما يحاك لنا في العالم العربي إطلاق الحريات وإشراك المجتمعات في التفكير واتخاذ القرار، لكي تستند أفعالنا إلى جبهة داخلية متينة وشرعية حقيقية في مواجهتها للمخططات الاستعمارية، وللانطلاق لتوحيد الجهود مع باقي دول الجنوب.
ولكن، إلى الآن، تسعى دولنا إلى نيل رضا ترامب ومجموعته. السؤال: إلى متى نستمر في استرضاء أميركا من دون أن نتحوّل إلى وجبة على مائدة الإمبراطورية؟



