سباق التحالفات يتجه شرقاً… ولكن !

عبد الناصر سلامة

حرير- في يوم ما، كان التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، حلم كل بلدان العالم، بما فيها دول الغرب الأوروبي، في الوقت نفسه كان أي تحالف لأي من الدول النامية، مع دول الغرب، يعد إنجازاً كبيراً، تحت أي عنوان، للدفاع المشترك، أو التعاون العسكري، أو حتى مجرد التعاون الأمني، أو أي شيء من هذا القبيل، رغم الهوة الواسعة من كل الوجوه، في شكل وجوهر معظم هذه التحالفات، بين كيان يضم، على سبيل المثال، مئات الآلاف من المواطنين، أو حتى بضعة ملايين، مع آخر يضم عشرات أو مئات الملايين، أو بين كيان اعتاد واستمرأ الديكتاتورية والتسلط، مع آخر اعتمد الديمقراطية أسلوب حياة، إلى آخر ذلك من اختلافات كثيرة.

على امتداد ما يقارب قرناً من الدهر، كانت التحالفات الثنائية، وحتى المنظومات الدولية خلاله، هي السمة العامة، اختلفت الأوضاع جذرياً الآن، بعد أن بدت المنظومة الأكبر دولياً، ممثلة في منظمة الأمم المتحدة بلا معنى، والمنظومة العسكرية تترنح، ممثلة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والمنظومة الإقليمية، ممثلة في جامعة الدول العربية بلا هدف، ناهيك من الكثير من التحالفات والمنظمات، من أقصى العالم إلى أقصاه، بخلاف التحالفات الثنائية حول الدفاع المشترك بشكل خاص.

فلم يحدث أن بادرت إحدى الدول بالدخول في حرب لحساب أخرى تتعرض للاعتداء، أو لأي من الأسباب، اللهم إلا إذا كان الهدف هو العدوان والاستعمار والاستيلاء على ثروات الآخرين، كما حدث في العراق وأفغانستان، أو غض طرف الدول الكبرى والصغرى معاً، والدول شريكة العضوية في آن واحد، كما يحدث مع إيران، العضو في منظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست منذ عام 1969، أو مع فنزويلا، العضو في اتحاد دول أمريكا الجنوبية، الذي تأسس منذ عام 2008. وقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين بشكل خاص، الإعلان عن كثير من التحالفات الجماعية بالمنطقة العربية تحديداً، بخلاف الكثير أيضاً من التحالفات الثنائية، إلا أن أياً من هذه التحالفات لم تحقق أهدافها، بينما أصبح معظمها من الماضي، إما بالإلغاء الصريح، وإما بحكم الواقع، والأسباب في ذلك كثيرة ومتفاوتة، وخجولة في الوقت نفسه، حيث كانت النوازع الشخصية عاملاً مشتركاً بين عملية الإنشاء والهدم في آن واحد، بمعنى أن الأرضية الصلبة والإرادة لم تتوافران لتحقيق هذا الهدف آو ذاك. ورغم ذلك، عادت الساحة تعج الآن بالحديث عن تحالفات جديدة وعديدة، إلا أنها تأخذ منعطفاً جديداً نحو الشرق هذه المرة، بالاتجاه إلى باكستان والهند تارة، كما الصين وروسيا تارة أخرى، وقد تكون كل من تركيا وماليزيا وإندونيسيا، أطرافاً فاعلة، بل إن هناك توجهات لم تكن في الحسبان، مع كل من البرازيل وجنوب افريقيا، الأعضاء في مجموعة البريكس، ما يشير إلى أن هناك قناعة بأن التحالفات العربية – العربية، لم تعد مجدية، كما التحالفات مع الغرب أصبحت مشوبة بالحذر، بينما مع الولايات المتحدة لا معنى لها، وربما كان الدليل الصارخ هو، عدوان الكيان الصهيوني على دولة قطر في سبتمبر من العام الماضي، بهدف اغتيال قادة حركة المقاومة الفلسطينية، بوجود قاعدتين عسكريتين أمريكيتين.. وتجدر الإشارة هنا إلى تاريخ المنطقة الحافل بمحاولات الوحدة والتكامل كالتالي:

*حلف بغداد عام 1955، كان تحالفاً عسكرياً، تم الإعلان عنه من العاصمة العراقية، وضم إضافة إلى العراق، كلاً من تركيا وإيران وباكستان والمملكة المتحدة، واستهدف بالدرجة الأولى حينذاك، مواجهة المد الشيوعي السوفييتي في الشرق الأوسط، وتعزيز الدفاع المشترك، والعمل كحلقة اتصال بين حلف الناتو، وحلف جنوب شرق آسيا (SEATO) إلا إنه انتهى بانسحاب العراق عام 1959، قبل أن يتم حله عام 1979 في أعقاب انسحاب إيران، بعد الثورة الإسلامية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، قد انضمت للجنة العسكرية للحلف عام 1958 بصفة مراقب فقط، أما مصر بقيادة الراحل جمال عبدالناصر، فقد اعتبرته استعماراً جديداً، وهو ما حذت حذوه عدة دول عربية.

*اتحاد الجمهوريات العربية، هو اتفاق تحالف بين ثلاث دول عربية، عام 1972، هي مصر وسوريا وليبيا، في عهد الرؤساء، أنور السادات، وحافظ الأسد، ومعمر القذافي، وانتهى عام 1977، في أعقاب زيارة السادات للقدس، وإلقاء خطاب بالكنيست الإسرائيلي، تمهيداً لمفاوضات «كامب ديفيد» فيما بعد، ثم اتفاقية السلام عام 1979، وما واكبها من تطبيع، بعد انسحاب الكيان من شبه جزيرة سيناء، وفي غضون ذلك كانت هناك مقاطعة عربية كاملة مع مصر في ذاك الوقت، باستثناء سلطنة عمان.

*الجمهورية العربية المتحدة، هي وحدة ضمت كلاً من مصر وسوريا عام 1958، برئاسة جمال عبدالناصر، إلا إنها لم تصمد طويلاً، بانفصال سوريا، في أعقاب انقلاب عسكري عام 1961، أي بعد نحو ثلاث سنوات فقط، شابها الكثير من المؤامرات، رغم توحيد البرلمان في ذلك الوقت، وإلغاء الوزارات الإقليمية، لصالح وزارات موحدة، واستخدام علم واحد للجمهورية الجديدة، إلا أن سوريا أعلنت الانفصال، وقيام الجمهورية العربية السورية، خلال الانقلاب العسكري، بقيادة عبدالكريم النحلاوي، بينما ظلت مصر محتفظة بالاسم حتى عام 1971.

*أيضاً كانت هناك محاولات وحدوية فيما بعد، بين عدد من الدول العربية من بينها: الدول العربية المتحدة، وهو اتحاد كونفدرالي هش، ضم كلاً من مصر وسوريا واليمن (1958-1961)، وأيضاً كانت هناك الجمهورية العربية المتحدة (1963) وهي محاولة لإنشاء اتحاد فيدرالي هش أيضاً، ضم مصر وسوريا والعراق، إلا إنه لم يخرج إلى النور، ثم مجلس التعاون العربي فيما بعد، عام 1989، بعد عام واحد من انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، جمع كلاً من مصر والعراق واليمن والأردن، في عهد الرؤساء، حسني مبارك، وصدام حسين، وعلي عبدالله صالح، والملك حسين.

*مجلس التعاون لدول الخليج العربية، المكون من 6 دول عربية خليجية ملكية (المملكة العربية السعودية، سلطنة عمان، قطر، الكويت، البحرين، الإمارات) وقد تأسس عام 1981 في أعقاب الثورة الإيرانية، كمنظومة سياسية اقتصادية عسكرية أمنية، ولم تستطع اليمن، الواقعة في شبه الجزيرة العربية، الحصول على عضوية المجلس، وكذلك العراق دولة الجوار، إلا أنهما حصلتا على عضوية بعض اللجان، المتعلقة بالرياضة والصحة والثقافة، بينما رحبت دول المجلس بانضمام كل من الأردن والمغرب، باعتبارهما دولتين ملكيتين، إلا أن أي إجراءات لم تتخذ بهذا الصدد.

*اتحاد دول المغرب العربي، وهو منظمة إقليمية تأسست عام 1989، ضمت كلاً من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا، بهدف تحقيق الوحدة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، إلا أن هذا الاتحاد لم يحقق أياً من أهدافه لأسباب عديدة، ربما أبرزها توتر العلاقات الجزائرية- المغربية، على خلفية قضية الصحراء، ورغم استمراره على الورق، إلا أنه غير موجود على أرض الواقع، لدرجة أنه لم يعقد أي اجتماعات رفيعة المستوى منذ عام 2008 حتى الآن، ما يعكس تجميد نشاطه فعلياً.

السؤال الذي يطرح نفسه بشدة الآن: هل يمكن اعتبار (هوجة التحالفات) الحالية، بمثابة تصحيح لأخطاء الماضي، وقد توافرت الإرادة حالياً مع وجود الأرضية الصلبة، أم أن ما يجري مجرد رد فعل على أحداث إقليمية ودولية طارئة، وسوف تزول الهوجة بزوال الأحداث، وتعود الأمور إلى طبيعتها؟ مع الوضع في الاعتبار أن معظم تحالفات الماضي كانت تستشعر الخطر الصهيوني، وهو ما جعلها ذات معنى على المستوى الشعبي بشكل خاص، ورغم ذلك لم يُكتب لها النجاح، إلا أنه بقراءة بسيطة للتحالفات الجارية، سوف نكتشف أن ذلك الكيان خارج الحسابات، رغم أنه لم يغير من عقيدته التوسعية، ولم يرحل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن أخطاراً أخرى أصبحت تطرح نفسها، وهو ما كان يحتم الوحدة الإقليمية أولاً، قبل الاتجاه شرقاً أو غرباً، وإلا فإننا لم نستفد من دروس الماضي.

مقالات ذات صلة