
لماذا كل هذا العشق لإسرائيل؟
توفيق رباحي
حرير- ـ رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، يَعدُ إسرائيل بأن أول ما سيفعل إذا ما سقط النظام الإيراني واستلم هو السلطة، إقامة علاقات متينة معها.
ـ زعيم دروز سوريا، حكمت الهجري، لا يخفي حبه لإسرائيل وحلمه بأن ينضم أتباعه إليها، أو يقيموا كيانا منفصلا تحت إبطها.
ـ زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، عيدروس الزبيدي، يتعهد بأنه سيعترف بإسرائيل ويعلن تطبيع العلاقات معها فور قيام دولة الجنوب.
ـ «جمهورية أرض الصومال» عاشت أسعد أوقاتها في الأيام التي أعقبت إعلان إسرائيل اعترافها بها.
ـ فرحات مهني، زعيم حركات انفصال القبائل، يطلب ودَّ إسرائيل واعدا بعلاقات طيبة معها عندما «تستقل» ما يسميها «جمهورية القبائل» عن الجزائر.
ـ العَفَر قبيلة مسلمة موزعة من السودان إلى دول القرن الإفريقي. ينظر بعض قادتها إلى إسرائيل ويرون أنها تمتلك أدوات تخليصهم مما هم فيه.
تشتكي القبيلة من قمع داخلي في إريتريا، ومما تقول إنه خطر الحوثيين في اليمن على المنطقة.
في الأيام الثلاثة الأخيرة من الشهر الماضي عقد ممثلون عن فروع القبيلة في دول المنطقة مؤتمرا في إثيوبيا وطلبوا تدخل إسرائيل لحمايتهم.
لافت فعلا هذا العشق الكبير لإسرائيل من كيانات وشخصيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ما السر؟
مفهوم جدا، ومطلوب، أن يبحث صاحب أيّ «قضية» عن دعم ومفاتيح لـ«قضيته» أينما وكيفما استطاع.
لكن مطلوب أيضا أن يتحلى بالحد الأدنى من الحذر والذكاء في سعيه لخدمة «قضيته».
قضية دروز سوريا وتوددهم لإسرائيل، البعض يبررها بكونهم جزء من النسيج الاجتماعي للمنطقة وإسرائيل، يؤثرون ويتأثرون بكل ما يمسها. أيضا، هناك عامل الظروف الداخلية في سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، والتي أثارت فيهم مخاوف وشكوك تجاه حكام دمشق الجدد، فوجدوا في ذلك ذريعة لطلب النجدة من إسرائيل (دون غيرها من الدول القريبة والبعيدة).
لكن ماذا عن الزبيدي وفرحات مهني ورضا بهلوي وآخرين؟
كان بإمكانهم مواصلة النضال من أجل «قضاياهم»، وفي الوقت نفسه تأجيل التوسل لإسرائيل إلى أن يحين وقته. إلا أنهم يعرفون أن ذلك غير ممكن، لأن الاعتراف بإسرائيل ليس بوليصة لتحقيق أهدافهم، بل لاستمرار نضالهم من أجل تحقيق أهدافهم. وبين الاثنين فرق شاسع.
وهم يعرفون أيضا أنهم لا يملكون حرية القرار والمناورة، وبوليصة الاعتراف بإسرائيل في رحلة النضال موجهة للوكيل الذي يرعى هذا الطرف وذاك.
في حالة الزبيدي هي مقاولة من الباطن لصالح دولة الإمارات، الوكيل الحصري لمصالح إسرائيل في المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج، وربما أبعد منها.
في حالة فرحات مهنى الرسالة موجهة إلى فرنسا واللوبي الإسرائيلي فيها.
من دون الاعتراف القبْلي بإسرائيل سيعجز مهنى والـ»ماك» عن الاستمرار في النضال بجرأة وصوت مرفوع في فرنسا.
رضا بهلوي استوعب أن كل هذا الضجيج في الغرب عن إيران منطلقه إسرائيل. لولا إسرائيل لعاشت إيران بألف خير ولو حكمها إبليس.
كل ما يريده الغرب من إيران ويخطط له هناك، موجه لخدمة إسرائيل. لذلك فأقل الواجب أن يُعبّر بهلوي عن امتنانه من خلال التزام صريح بعلاقات قوية مع إسرائيل (قبل أيّ التزام نحو الحكومات الغربية). إسرائيل هي صك الأمان له في الغرب.
عودة إلى السؤال عن السر وراء العشق الكبير لإسرائيل.
الجواب عنه: السر في واشنطن. عند الذي اسمه دونالد ترامب.
وبما أن ترامب وبنيامين نتنياهو وجهان لعملة واحدة، فلا بأس من تقديم طلب ودّ ترامب عبر إرضاء نتنياهو.
يعرف هؤلاء جميعا أن ترامب لا يرحم، وأنه القبة الحديدية الحقيقية لإسرائيل، وأن رضاه أهم من رضا قادة إسرائيل مجتمعين.
جميل أن يمتلك المرء حكمة وقدرة على النظر إلى المستقبل عبر العدسة الصحيحة.
لكن الأجمل أن يتمهل ويدرك أن إسرائيل ليست ورقة مضمونة وأزلية. والولايات المتحدة كذلك.
الجميل أيضا أن يحسب هؤلاء حساب السياسة وقاعدتها الذهبية: لا يوجد صديق دائم ولا يوجد عدو دائم. هناك مصالح دائمة.
عليهم أن يدركوا أن حاجة إسرائيل إليهم الآن (الله أعلم بالمستقبل) مرتبطة ارتباطا وثيقا بخططها لتفتيت المنطقة إلى كيانات هشّة ودول فاشلة.
يجب أن يفكر فرحات مهني ماذا سيكون مصير وعوده لإسرائيل لو أن الحكومة الجزائرية قررت مثلا الاعتراف بإسرائيل (من يضمن أن هذا لن يحدث أبداً؟) قبل انفصال «جمهورية القبائل»! لا أظن أنه لا يستوعب أن إسرائيل تعرف مَن ستختار إذا ما خُيرت بين كيان اسمه الـ»ماك» ودولة اسمها الجزائر بثقلها الشعبي والسياسي والاستراتيجي.
يحتاج بهلوي إلى أن يفكر ماذا سيكون مصيره لو حدث شيء يُنهي التوتر بين إيران الحالية وإسرائيل، ويرضى عنها الغرب وأمريكا.
أتمنى لو يتذكر هؤلاء أن أمريكا احتكرت، منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، صناعة تحريض الشعوب على التمرد. واحتكرت رذيلة التخلي عنهم في منتصف الطريق. ويستمر إلى اليوم.
على سبيل المثال: في خريف 1956 حرّضت الناس في المجر على النظام الشيوعي الموالي لموسكو، ثم تخلّت عنهم فقُتل الآلاف وهُجّر عشرات الآلاف. وفي بداية 2026 يُحرّض ترامب الإيرانيين على الاستيلاء على مؤسسات الدولة ويعدهم بأن الدعم آت. ثم لا يصل شيء.
بين بودابست وطهران تاريخ حافل بخيانة الشعوب، في كل القارات، وتركها تواجه خطر السحق.
لا يمكن أن تكون هذه الخيانات بالجملة مجرد أخطاء في التقدير من رئيس هنا أو وزير خارجية هناك. إنها من صميم السياسة الخارجية الأمريكية.
وعندما تقول أمريكا أشعلت فإسرائيل شريكة. وعندما تقول أمريكا تخلّـت فإسرائيل أيضا تخلّت. مصالحهما واحدة تفرض تواطؤهما. وفي نهاية المطاف، لم يحدث أن استهدفت أمريكا دولة فيها مصالح لإسرائيل.



