فنزويلا من «دولة السيادة» إلى «مجلس إدارة» النفط

سامية عيسى

حرير- في فجر الثالث من يناير 2026، نفذت القوات الخاصة الأمريكية عملية جراحية خاطفة أطلقت عليها اسم «العزم المطلق»، حيث تم انتزاع نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من مجمع «فورت تيونا» العسكري في قلب كاراكاس. وقد نُقل الزوجان فوراً عبر مروحية إلى بارجة أمريكية، ومنها إلى نيويورك لمواجهة تهم «الإرهاب المرتبط بالمخدرات» (حسب بيان وزارة العدل الأمريكية، يناير 2026). هذا المشهد يعيد للأذهان عملية «القضية العادلة» عام 1989، حين اختطفت واشنطن مانويل نورييغا من بنما؛ ورغم أن نورييغا لم يكن رئيساً دستورياً، بل «قائداً عاماً» يسيطر على السلطة، فإن واشنطن تكرر اليوم السيناريو نفسه بنزع الشرعية عن مادورو وزوجته، ومعاملتهما كمطلوبين جنائيين لكسر حصانتهما السيادية (أرشيف الدفاع الأمريكي، عملية بنما 1989).

تكشف مداولات «مار ألاغو» في فلوريدا أن الرئيس ترامب قرر استبعاد القيادات التقليدية، وعلى رأسهم ماريا كورينا ماتشادو (الحائزة نوبل للسلام 2025)، حيث يرى ترامب أن الهدف ليس الديمقراطية، بل فرض إدارة تكنوقراط، تدير فنزويلا، أي أشبه بشركة قابضة، وهو نموذج شبيه بمقترحه لـ»مجلس إدارة غزة»، حسب تسريبات «نيويورك تايمز» يناير 2026. ويهدف هذا المجلس للسيطرة المباشرة على شركة النفط PDVSA وتكليف شركات أمريكية بإعادة بناء البنية التحتية النفطية، التي تآكلت مع تعيين موظفين موالين للنظام غير أكفاء، لكسر أسعار النفط العالمية، وتأمين الاستثمارات الأمريكية. وفي هذا السياق، تواجه سيليا فلوريس، المحتجزة حالياً في منشأة منفصلة ببروكلين، تهم «غسيل الأموال» وإدارة شبكات تهريب الذهب، حيث تعتبرها واشنطن «العقل المالي» للنظام، وشريكة في أنشطة «كارتل الشمس» لتهريب المخدرات، حسب لائحة اتهام محكمة مانهاتن الفيدرالية، يناير 2026.

ميدانياً، تعيش فنزويلا تمزقاً عسكرياً حاداً؛ فبينما تقود نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز ووزير الدفاع بادرينو لوبيز جبهة «الصمود»، مع وجود كثيف في الشوارع لـ»الكولكتيفوس» الميليشيات المسلحة الموالية للرئيس المخطوف نيكولاس مادورو، تبرز جبهة «المنشقين»، التي بدأت بالتنسيق مع القوات الأمريكية. وهنا يبرز دور روسيا في استخدام «القوة الهجينة»؛ وهو مصطلح (مستمد من عقيدة غيراسيموف الروسية) يعني مزج الأدوات العسكرية التقليدية بالحرب السيبرانية والضغط الاقتصادي، حسب معهد دراسة الحرب ISW، «الحرب الهجينة». لكنّ صمت روسيا المريب لحظة الاختطاف يثير تساؤلات حول تنسيق «روسي-أمريكي» محتمل يضمن لموسكو استرداد ديونها المليارية مقابل التخلي عن مادورو، خاصة وأن روسيا تدرك أن مصالحها النفطية، قد تكون أضمن عبر التفاهم مع «مجلس الإدارة» المرتقب تشكيله قريبا. أثارت العملية تساؤلات عميقة حول «التنسيق الروسي الأمريكي»، أو «الصمت المريب». فبينما كانت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز في زيارة لموسكو لحظة الهجوم، لم تتحرك منظومات الدفاع الجوي الروسية (S-300) لصد الكوماندوز الأمريكي، حسب تقرير وكالة رويترز، يناير 2026. ويرى محللون أنّ روسيا قد تجد في سقوط مادورو السريع «فرصة للمساومة»؛ فموسكو قلقة حيال ديونها المليارية، وقد تقايض اعترافها بالنظام الجديد «الذي سيشكله ترامب» مقابل ضمان استرداد هذه الديون، أو مقابل تنازلات أمريكية في ملفات أخرى مثل أوكرانيا. فضلا عن ذلك تدرك روسيا منذ وقت بعيد أنّ مادورو أصبح «عبئاً مالياً»، وبقاء نفوذها النفطي قد يكون أضمن عبر صفقة مع واشنطن، بدلاً من حرب خاسرة في الكاريبي، رغم تحركاتها العسكرية في الكاريبي ووضع إجراءاتها التقنية النووية بعد عملية الاختطاف قيد التأهب في آن معا.

أما الصين، المشتري الأكبر للنفط الفنزويلي بنسبة تصل لـ80% من الصادرات، فقد أدانت العملية واصفة إياها بـ»البلطجة الدولية» التي تهدد استثماراتها البالغة 60 مليار دولار، حسب الخارجية الصينية، يناير 2026، وبدأت بكين بتحركات عسكرية في «بحر الصين الجنوبي» كرسالة ردع، مفادها، أنّ الاستحواذ الأمريكي على فنزويلا وموارد الطاقة الأكبر في العالم، سيقابله رد في مناطق نفوذها الحيوية، حسب تسريبات المعهد البحري الأمريكي USNI، يناير 2026.

العالم اليوم لا يشهد سقوط زعيم فحسب، بل يشهد ولادة نظام عالمي جديد تدار فيه الدول تحت تهديد الكوماندوز، وبمنطق الشركات العابرة للقارات، ورغم أن بكين تلتزم بالرد الدبلوماسي حتى الآن، إلا أن تحركاتها العسكرية في «بحر الصين الجنوبي»، وتكثيف مناوراتها حول تايوان يُنظر إليها كرسائل تحذير، مفادها أن ّواشنطن إذا حولت الكاريبي إلى «بحيرة أمريكية»، فإنّ بكين قد ترد بالمثل في ساحتها الخلفية، حسب «تايبيه تايمز» ومعهد البحرية الأمريكي، يناير 2026. فالصين تخشى من ضياع استثماراتها (نحو 60 مليار دولار كقروض مقابل النفط)، ولن تقبل بخروجها من الحقول الفنزويلية، من دون ضمانات قانونية وتجارية قوية من «مجلس الإدارة» الجديد الذي تدعمه واشنطن.

أما عن سؤال: من يدير فنزويلا الآن، فنستطيع القول إن صراع الشرعيات قد بدأ، وانشطر هرم السلطة في كاراكاس إلى قسمين متصارعين:

*مجلس «رودريغيز» (ويعني استمرارية نظام مادورو، وتقوده نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز التي أدت اليمين الدستورية كرئيسة مؤقتة (بموجب المادة 233 من الدستور عند «غياب الرئيس»). هي تحظى بدعم شقيقها خورخي رودريغيز (رئيس الجمعية الوطنية) وديوسدادو كابيلو (رجل النظام القوي ووزير الداخلية). هؤلاء يسيطرون على مؤسسات الدولة المدنية والمخابرات وبالطبع شركة النفط الوطنية، المستهدفة الأولى من دونالد ترامب.

*الإدارة الانتقالية (المدعومة أمريكياً)، التي بدأ تشكيل أعضائها، فواشنطن لم تعترف بديلسي، بل ألمح ترامب إلى تشكيل «مجلس إدارة مؤقت» يضم شخصيات تقنية وعسكرية منشقة، مع تجاهل نسبي لرموز المعارضة التقليدية مثل، غونزاليس وماتشادو، في خطوة وصفت بأنها بحث عن «الاستقرار النفطي» أولاً.

لا يسعنا إلا أن نلحظ أنّ ما نشهده اليوم من تغول أمريكي في أكثر من بقعة ساخنة حول العالم، ما هو إلا تداعيات فجة لنهب موارد الشعوب وثرواتها عبر أسلوب إدارة أعمال ما تعتبره مصالحها. ما يزيد الطين بلة أن القيمين ورؤساء هذه الدول يديرون ثروات بلادهم بعقلية «المافيا»، ويمعنون نهبا وقمعا وحشيا لشعوبهم لإحكام السيطرة عليها، حيث يستشري الفساد ويقف حائلا أمام التغيير الديمقراطي، أو أي نهضة تنموية تستثمر ثروات النفط في باقي القطاعات، ما يخلق الذرائع للطغيان العالمي والإقليمي على التدخل السافر بحجة إنقاذ الشعوب من الديكتاتوريات المستفحلة. تجتمع عوامل عديدة لهذا العبث الجاري والعربدة الإمبريالية للقوى العظمى التي تتصارع في ما بينها على هذه الموارد والهيمنة تحت مسمى ولادة النظام العالمي الجديد، الذي لن يكون بالتأكيد أفضل حالا من القديم، بل ربما يكون أسوأ بمراحل في ظل سياسة اللعب على المكشوف السافرة. لاسيما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يفقه بالسياسة، وهو القادم من عالم المال والأعمال، ويتحدث بلغته من غير تزييف أو تزيين مهددا متوعدا، أما الصين فهي لا تجد أي حرج من إعلاء مصالحها على مصالح الآخرين، واللعب بأوراقها القومية غير عابئة بشعبها، أو شعوب سواحل بحر الصين الجنوبي. أما إن جئنا للرئيس الروسي الذي يعاني اقتصاده من أزمات عميقة مزمنة، فحدث ولا حرج. هو يتصرف كرجل مافيا أكثر منه كرئيس دولة، ولا يعبأ إن باع حلفاءه، في حسابات الربح أو الخسارات المادية. فلا حصانة تحترم ولا سيادة لأي كان على أرضه وموارده. فنزويلا هي الدرس لمن يتقن القراءة، وهي العبرة التي يسوقون فيها الشعوب إلى المهانة والخراب.

مقالات ذات صلة