
نزع سلاح حزب الله أم احتواؤه…. ما المخرج؟
عصام نعمان
حرير- يحتدم الصراع في غرب آسيا من شواطئ البحر المتوسط غرباً إلى شواطئ بحر قزوين شرقاً. أطرافُ الصراع دول إقليمية عدّة، وحركات مقاومة فلسطينية ولبنانية، وحركات انفصالية كردية، إضافة لهذه الدول والحركات، ثمة دول كبرى تدعم إسرائيل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وأخرى تدعم حركات المقاومة الفلسطينية سياسياً وإعلامياً.
محاور الصراع كثيرة أبرزها ثلاثة: فلسطين والنفط وموازين قوى تحمي أو تهدّد الأطراف المتصارعة. فلسطين قضية محورية مذ زَرَعت دول الغرب الكيان الصهيوني في قلب المشرق العربي، وما انفكت تدعمه سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. النفط سلعة استراتيجية احتكرت شركات الغرب استخراجه ونقله وتسويقه، وأقامت قواعد وترتيبات عسكرية لحماية دوله المصدّرة، كما المضائق التي تمرّ عبرها ناقلات النفط المتجهة إلى شتّى دول العالم وأسواقه.
لعل العامل الأساس وراء استتباب الأمن النفطي، استقرارُ حال توازن الردع نسبياً بين الدول الكبرى المتصارعة، أو المتنافسة، لكنه أخذ يختل بعد تصاعد قدرات دول إقليمية عدّة أبرزها تركيا وإيران وإسرائيل. الأخيرة هي اكثرها إنتاجاً للتوتر والقلق وبالتالي للخطر. مردّ ذلك عقيدتها التوراتية، ومطامعها التوسعية ودعمها غير المحدود من الولايات المتحدة الأمريكية. تصاعَدَ الصراع بين إسرائيل ودول الجوار العربية نتيجةَ ازدياد التوسع الإسرائيلي، مقابل تنامي الفعل المقاوم في فلسطين ولبنان، ونزوع إيران بعد رسوخ ثورتها الإسلامية، لدعم حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، الأمر الذي أقلق إسرائيل والولايات المتحدة. يبدو أن مثابرةُ إيران على دعم حركات المقاومة وإصرارها على تنفيذ برنامجها النووي، حملا الكيان الصهيوني وأمريكا على اتخاذ قرار بتوجيه ضربة شديدة لها، بغية إسقاط نظامها السياسي الإسلامي وإجهاض ثورتها التنموية الشاملة. بالاتفاق مع الولايات المتحدة، قامت اسرائيل في شهر يونيو من العام الماضي بشن حربٍ استخباراتية وصاروخية بالغة العنف على إيران، تمكّنت خلالها من اغتيال الصف الأول من قادة جيشها النظامي وحرسها الثوري، وتدمير بعض مطاراتها، ومواقع إطلاق صواريخها الباليستية بعيدة المدى، وإلحاق خسائر شديدة بمرافقها الاقتصادية.
استوعبت إيران بسرعة أضرار وتداعيات الضربة الإسرائيلية، وقامت بتوجيه ضربة ثأرية لها بالغة القوة أدت إلى تدمير شديد وغير مسبوق بمدينة تل أبيب وبسائر المرافق والقواعد والبنى التحتية الاقتصادية والعسكرية في «غوش دان»، السهل الساحلي الضيق بين يافا وحيفا، حيث سبعون في المئة من إسرائيل، سكاناً وعمراناً وبنى اقتصادية وصناعات وقواعد عسكرية ومطارات وموانئ. ضخامةُ الخسائر والأضرار حملت إسرائيل على الاستنجاد بالولايات المتحدة، لوقف حرب إيران عليها. أمريكا استجابت فقامت بضرب ثلاث ٍمن منشآت إيران النووية، وادعت تدمير هذه المنشآت، في حين أكدت طهران أن التدمير تركّز على أقسام المنشآت الكائنة على سطح الأرض، فيما بقيت أقسامها الموجودة في باطنها سليمة، ومثلُها أيضاً كمية اليورانيوم المخصّب، التي تمّ نقلها تحسباً إلى مكان آمن قبل قيام أمريكا بإطلاق صواريخها المدّمرة.
بعد قيام إسرائيل أخيراً بتوسيع رقعة اعتداءاتها على لبنان جنوبيّ نهر الليطاني وشماليّه قبل قيام الرئيس الأمريكي بتنفيذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ظهرت تكهنات حول ما إذا كانت اسرائيل ستقوم بتوجيه ضربة شديدة جديدة لإيران. وكان نتنياهو صرّح بعد اجتماعه إلى دونالد ترامب، أواخرَ السنة المنصرمة، أنه تفاهم معه على كل القضايا العالقة، ما حمل وسائل إعلام إسرائيلية عدّة على كشف اتجاهٍ قوي لدى أركان الإئتلاف الإسرائيلي، الحاكم يدعو للتعجيل في ضرب إيران، بدعوى أن عامل توازن الردع قد فقد فعاليته، بعدما أثبتت إيران في حرب الأيام الـ12 خلال صيف العام الماضي، أنها تمتلك من الصواريخ بعيدة المدى عدداً كبيراً مكّنها من إلحاق تدمير شديد بإسرائيل، وأنها ما زالت مصممة على تنفيذ برنامجها النووي، ما يمكّنها من صناعة أسلحة نووية في مدة وجيزة، لكونها تمتلك كمية من اليورانيوم المخصّب كافية لتصنيع 9 قنابل نووية، وأنها عوّضت ما خسرته من صواريخها الباليستية بعيدة المدى، التي كانت قد أطلقتها في حرب الأيام الـ12، وان ذلك كله يستوجب الإقلاع عن اعتماد عامل توازن الردع الذي بات بلا فعالية، والاستعاضة عنه باستراتيجية المنع بالقوة.
غير أن ثمة خبراء استراتيجيين وضباطاً كباراً متقاعدين إسرائيليين، أدلوا بآراء معاكسة مفادها، عدم جدوى الرهان على تداعيات تظاهراتٍ قامت في بعض المناطق الإيرانية، لأن الحكومة بدت قادرة على احتوائها، وألا جدوى من اعتماد استراتيجية المنع بالقوة، إلاّ في حال التزمت الولايات المتحدة الاشتراك فعلياً في الحرب إلى جانب إسرائيل، وهو أمر غير مضمون، لأن ترامب كثير التقلّب بمواقفه من جهة، ومنشغل من جهة أخرى بحروب ومواجهات ومطامع في أماكن عدّة بالعالم، كفنزويلا وغرينلاند وكندا، وأنه يجب عدم التعويل على مقولة تراجع قدرات حزب الله بعد خسارة قائده التاريخي، ومجموعة من كبار قادته، وتدمير قسم من أسلحته الثقيلة، لأنه تعافى وأعاد تنظيم قياداته ومقاتليه، كما عادت إيران إلى تمويله بأكثر من مليار دولار في الآونة الأخيرة.
مع حماوة الجدال والنقاش داخل إسرائيل، برزت مقاربة جديدة في لبنان لمعالجة مسألة حصر السلاح بيد الدولة، قوامها ضرورة التسليم بالواقعات والالتزامات الآتية:
*قيام حزب الله بسحب مقاتليه وأسلحته من كامل منطقة جنوب نهر الليطاني المحاذية للمستعمرات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة، ما يؤدي إلى وقف عمليات المقاومة الميدانية ضد إسرائيل ومستعمراتها على طول حدود لبنان الجنوبية.
*موافقة حزب الله على الالتزام بمستلزمات سياسة احتواء سلاح المقاومة، بما هي تدابير عملانية لمنع نقل السلاح أو إظهاره، أو استعماله في مناطق شمال نهر الليطاني، أي في سائر أنحاء لبنان.
*ضرورة التزام إسرائيل بسحب قواتها من الأراضي اللبنانية المحتلة ما يؤدي لاحقاً إلى توقف عمليات المقاومة نهائياً، لأن المقاومة نشأت وتنامت، بسبب قيام إسرائيل بالاعتداء على لبنان، واحتلال قسم من اراضيه، فإذا أوقفت إسرائيل اعتداءاتها واحتلالاتها انتفت الحاجة إلى مقاومتها.
ليس ثمة ما يشير الآن إلى تراجع الجدال والنقاش في إسرائيل (كما في لبنان) بين دعاة نزع سلاح حزب الله، وقوى المقاومة كلياً ودعاة اعتماد سياسة احتواء سلاح المقاومة، بما يؤدي إلى تعميم «الخمول الإستراتيجي»، بمعنى تجميد عمليات المقاومة نتيجةَ استكمال انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف اعتداءاتها، وبالتالي قيام قوى المقاومة بتسليم أسلحتها إلى الجيش اللبناني في إطار استراتيجية متكاملة للدفاع الوطني.
الكلمة الفصل في هذا الجدال والنقاش المحتدمين ليس للمتجادلين في إسرائيل ولبنان، بل لكلٍّ من نتنياهو والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والرئيس الامريكي ترامب. ذلك أن نتنياهو قد يستمر في تطويل أمد الحرب بقصد الضغط على لبنان للقبول باتفاقٍ لتحويل جنوب نهر الليطاني إلى منطقة عازلة، الأمر الذي يرفضه لبنان وحزب الله بالمطلق. ثم أن المرشد الأعلى الإيراني قد يشنّ حرباً استباقية قبل أن تقوم إسرائيل بضربة شديدة جديدة لبلاده. أما ترامب الذي يتعذّرعلى أيٍّ كان، كما يقول ابنه، التنبؤ بما يفكّر به «الوالد المتقلّب»، ويتفق الجميع على أنه رئيس متقلب ومتعِب، فقد يستحيل جرّاء تقلباته الجزم بأي حال سيكون عليه الصراع بين الأطراف المتصارعة في الحاضر والمستقبل المنظور.



