
لماذا مادورو تحديدا دون سواه؟
د. جيرار ديب
حرير- لا يوفر الأمريكي مناسبة إلا ويخرج بتصريحات تحمل الكثير في مضمونها «لغة تهديدية» تجاه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تشمل دعوات لترك النظام والرحيل.
لم يتوقف الأمر عند إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على التصريح والتهديد، بل انتقل إلى ترجمة ما يقوله من خلال فرض حصار عسكري محكم على البلاد، عبر تحشيد لحاملات الطائرات بشكل غير مسبوق في المحيط الأطلسي في منطقة كاريبي منذ أغسطس الماضي، معتمدا على أعمال أشبه بـ»القرصنة» من خلال احتجاز ناقلات نفط من وإلى كاراكاس.
لم تعد الأمور ترتبط بالمحافظة على الأمن القومي الأمريكي، انطلاقا من التهديد الذي تلعبه حكومة كاراكاس من تسهيلات لتحركات كارتلات المخدرات إلى الداخل الأمريكي، وهو أبعد من بتطبيق مبدأ «مونرو»، الذي وضع قيد التنفيذ في 2 سبتمبر عام 1823 في عهد الرئيس الأمريكي جميس مونرو، الذي كان يهدف إلى ابعاد خطر الاستعمار الأوروبي عن القارة اللاتينية، وما قد يؤدي هذا إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في تلك المنطقة الجغرافية الحدودية مع الولايات المتحدة.
لم يعد خطاب ترامب مقنعا تجاه مادورو، هذا ما لمسه أعداء واشنطن من بكين إلى موسكو، حيث عبّر عن ذلك بوضوح مندوبيهما في الأمم المتحدة، رافضين ممارسة أقصى الضغوط لقلب النظام. إذ في الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي، التي انعقدت في 23 ديسمبر الماضي، والتي خصصت لمناقشة الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، التي دعت إليه كاراكاس، وصف فاسيلي نيبينزيا السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، الأعمال التي تقوم بها الولايات المتحدة بأنها «عمل عدواني صارخ»، متهما واشنطن باتباع سلوك «رعاة البقر» في حملتها للضغط على فنزويلا. ما من شكّ أن الاستثمار في الأزمة الفنزويلية هو الوقت المناسب، خصوصا عند الروسي الذي تؤكد التقارير، أنه يرفع من حدة خطابه، ليس إنقاذا لمادورو ونظامه، هو الذي دفع برئيس بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو، لفتح حدود بلاده في حال قرر طلب اللجوء السياسي، لكن من أجل المقايضة، على اعتبار كييف مقابل كاراكاس.
أمام الواقع المتأزم في المحيط الأطلسي، يكشف تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن اقتصاد كوبا، الذي يعتمد على النفط الفنزويلي الرخيص، يعاني من صعوبة في العمل، نتيجة للحشد العسكري الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي. لطالما كانت فنزويلا عصب الاقتصاد الكوبي، منذ عام 1999، حيث وصف الرئيس هوغو تشافيز البلدين بأنهما مرتبطان «في بحر من السعادة». وقد ارسلت كوبا مدربين رياضيين وأطباء وعناصر استخبارات مضادة إلى فنزويلا وكان هدفهم الأخير استئصال الخونة الذين قد يطيحون بتشافيز، ردت فنزويلا بشحن 100 ألف برميل من النفط إلى كوبا يوميا. واضح أن ترامب في ممارسة أقصى الضغوط على فنزويلا دون سواها من دول، تأخذ من العداء لواشنطن موقفها، مثل المكسيك الذي قالت رئيسته كلوديا شينياوم، في ردها على تصويت الكونغرس الأمريكي لبناء الجدار على حدود البلدين، إنكم «لو كنتم تفهمون الكثير عن الجغرافيا، فالمهم أن تكتشفوا أن هناك خارج الجدار حوالي 7 مليارات مستهلك مستعدون لاستبدال سلعكم بسلع أخرى»، في دلالة واضحة على التهديد المباشر للسلع الأمريكية.
هي حرب أعلنها ترامب، وأراد من خلال إقصاء مادورو عن السلطة في فنزويلا إلى ضرب أكثر من «عصفور بحجر واحد»، على اعتبار أن الذهاب في هذه المعادلة، سيسقط عصافير كثيرة منها، كوبا واقتصادها، البلد الذي يحمل في ذاكرته تاريخا سيئا مع واشنطن، يعود إلى أزمة الصواريخ، عام 1962، عندما سمحت هافانا لنشر منظومات صاروخية «نووية» للاتحاد السوفييتي على أراضيها ما شكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي، وأوجدت أزمة كادت أن تتحول إلى حرب نووية بين العملاقين الأمريكي والسوفييتي يومها.
دائما يتوجس الأمريكي من سلوك الشيوعي الكوبي، ويعتبر أن التمسك بحكومة مادورو يعني تكريس جسر للإمدادات النفطية الضرورية لإنعاش الاقتصاد. كما التأثير السلبي على كوبا كذلك هو الحال عند كولومبيا والبرازيل، واللائحة تطول في العداء المتصاعد بين دول أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة نتيجة سياسات ترامب. لهذا يجد الأمريكي إن أسقاط نظام مادورو المتهالك أصلا سيؤدي إلى تراجع الخطر من أنظمة الجوار، لاسيما في حال زرعت واشنطن نظاما في فنزويلا يشبهها.
وفي المقلب الآخر من المحيط الأطلسي، تأتي الضربة الأمريكية على أساطيل الظلّ للتجارة النفطية، وغير النفطية لكل من إيران وحزب الله اللبناني، اللذين دون شكّ أن هشاش النظام الفنزويلي يسهل عليهما التحركات الخارجة عن مبادئ النظام الدولي للتهرب من العقوبات المفروضة عليهما، وبالمقابل تمويل موازنات الحرب لدى كليهما. إن اعتبار النظام في كاراكاس عنصرا مساعدا لعمليات التهريب، أوجد مناخا مناسبا لأوكار المخدرات وسوقا سوداء للذهب الأصفر وتجارة النفط، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التركيز على مادورو شخصيا، على اعتبار أنه جعل من بلاده محورا يتقاطع فيه أعداء واشنطن ويشكل نقطة تهديد لها من حديقتها الخلفية.



