عالم حشرات يحل لغز العثور على خلايا نحل داخل مقبرة بمحافظة مصرية

حرير- في مشهد بدا أقرب لحكايات الغموض الشعبية، فوجئ أهالي قرية مصرية، باكتشاف غير مألوف داخل مقبرة قيل إنها لم تُفتح منذ 5 سنوات.

وبدلا من المدخل المعتاد، وجد المشيعون باب المقبرة بقرية الكمايشة بمحافظة المنوفية مسدودا بالكامل بخلية نحل ضخمة، تخفي وراءها عالما كاملا من خلايا العسل التي ملأت المكان وأغرقت أرضه.

هذا الاكتشاف الغريب أثار دهشة الأهالي وفتح باب التساؤلات: كيف يمكن للنحل أن يستوطن مقبرة مغلقة بإحكام؟ وهل نحن أمام ظاهرة استثنائية أم سلوك معتاد له تفسير علمي؟

قصة اكتشاف غير متوقعة

بدأت القصة عندما وصل المشيعون إلى المقبرة، ليجدوا خلف الأقفال الحديدية خلية نحل هائلة تغطي المدخل بالكامل. ومع التقدم إلى الداخل، تبين وجود 12 خلية أخرى مصطفة داخل المقبرة، وممتلئة بالعسل إلى درجة أنه غمر الأرض ورفات المدفونين. وبسبب استحالة الدخول، اضطر الأهالي إلى دفن المتوفى في مقبرة مجاورة، ثم استدعوا فريقا متخصصا في تربية النحل لإزالة الخلايا.

واستمرت عملية الاستخراج ثلاثة أيام متواصلة، انتهت بجمع نحو 25 كيلوغراما من العسل الصافي، جرى توزيعه على أهالي القرية بعد التأكد من صلاحيته للاستهلاك. غير أن الغموض بقي حاضرا: كيف وصل النحل إلى مكان مغلق لم يُفتح منذ سنوات ولا يحتوي،بحسب رواية الأهالي، على أي فتحات ظاهرة؟.

تساؤلات تفتح الباب أمام العلم

الدهشة لم تكن في كمية العسل فقط، بل في وجود مستعمرة نشطة من نحل العسل داخل مكان يُفترض أنه معزول تماما عن العالم الخارجي. فالنحل، كما هو معروف، يحتاج إلى الخروج يوميا لجمع الرحيق والماء، ما يجعل فكرة بقائه داخل قبر مغلق تبدو مستحيلة للوهلة الأولى.

هنا تدخل العلم ليقدم تفسيرًا أكثر هدوءا ومنطقية، بعيدا عن التفسيرات الغيبية أو غير المدعومة بالمعرفة، إذ يقول د.عمرو عبدالسميع، أستاذ علم الحشرات بكلية العلوم جامعة القاهرة لـ”العين الإخبارية”، إن ما حدث، رغم غرابته الظاهرية، لا يخرج عن السلوك البيئي المعروف لنحل العسل المعروف باسم “أبيس مليفيرا”، فهذا النوع يُصنف علميا ضمن الحشرات التي تفضل التعشيش داخل التجاويف المغلقة والمظلمة، مثل تجاويف الأشجار والصخور، بل وحتى الفراغات داخل الهياكل البشرية.

ويضيف أن النحل، عند بحثه عن مسكن جديد أثناء ما يُعرف بعملية “التطريد”، يعتمد على نحلات استطلاعية قادرة على اكتشاف الشقوق والفتحات الصغيرة جدا، حتى لو بدت غير مرئية للعين البشرية، وهذه الفتحات، مهما صغر حجمها، قد تكون كافية لدخول النحل وخروجه على مدار سنوات.

كيف يبني النحل خلاياه في أماكن مغلقة؟

وبمجرد العثور على تجويف مناسب، يبدأ النحل في بناء أقراصه الشمعية داخل الفراغ، مستخدما شمع العسل كمادة بنيوية مستقلة عن جدران المكان. كما يمتلك النحل قدرة مدهشة على تنظيم المناخ الداخلي للخلية، إذ تتحكم الشغالات في التهوية ودرجة الحرارة عبر حركة أجنحتها، حتى في المساحات شبه المغلقة.

ويوضح عبدالسميع أن النحل لا يحتاج إلى فتحات تهوية واسعة كما يفعل البشر، بل تكفيه فتحات دقيقة للغاية لتبادل الهواء وتنظيم الرطوبة، ما يسمح للمستعمرة بالبقاء نشطة لسنوات طويلة طالما توفرت درجة مقبولة من الاستقرار الحراري.

هل هي حالة نادرة؟

وبحسب السجل العلمي والتقارير الإعلامية حول العالم، فإن استيطان النحل لهياكل بشرية مغلقة أو مهجورة ليس أمرا فريدا. فقد وثقت حالات مشابهة داخل جدران منازل، وأسقف، وصناديق عدادات كهرباء، بل وحتى في مبان ظلت مغلقة لسنوات دون أن يلاحظ أحد وجود مستعمرة نحل داخلها.

ويشير عبدالسميع إلى أن ما يميز حالة المقبرة في المنوفية هو طابعها غير المألوف اجتماعيا، لا غرابتها هلميا، فهي تمثل نموذجا متطرفا، لكنه مفهوم كسلوك تعشيشي معروف وموثق في الأدبيات العلمية.

مقالات ذات صلة