لبنان: حرب عاجلة أم آجلة؟

معين الطاهر

حرير- يتّسع نطاق المواجهة الدائرة بين المقاومة في لبنان والجيش الإسرائيلي، وتتجاوز قواعد الاشتباك المعمول بها منذ الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لتتحوّل حرباً شاملةً، وهي حربٌ، إن نشبت، ستكون طويلة وصعبة وقاسية على الطرفَين، وستمتدّ إلى لبنان كلّه، وفلسطين المُحتلّة كلّها. وقد يُؤخّر اندلاع هذه الحرب، فترةً لن تطول، التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزّة، مع احتمال استغلال العدوّ وقف إطلاق النار على جبهته الجنوبية لزجّ مزيد من قوّاته في جبهته الشمالية، وتصعيد القتال فيها، مع مخاطر إقليمية لتوسّعه.

منذ اليوم الأول للحرب، تصاعدت المُؤشّرات على حتمية توسّع القتال، وكان وزير الأمن الإسرائيلي، يوآف غالانت، من أنصار الحرب على جبهتَين في آن؛ غزّة والجنوب اللبناني، إضافة إلى الجبهة المُشتعلة في الضفّة الغربية. لكنّ الولايات المتّحدة، الشريك الفعلي للكيان الصهيوني في هذه الحرب، تدخّلت وحالت دون ذلك، في مقابل وعدها بإمداد الجيش الإسرائيلي بما يحتاجه من أسلحة وذخائر، ومضاعفة منظومات الأسلحة المضادّة للصواريخ في فلسطين المُحتلّة والمنطقة بأسرها، وإرسال حاملات الطائرات إلى شواطئ البحر المتوسّط لردع حزب الله عن تنفيذ عمليات واسعة.

ليست المواجهة الحتمية بين حزب الله والكيان الصهيوني وليدة اللحظة والأحداث الراهنة، بل هي استمرارٌ لمواجهات سابقة بدأت بعد حرب 1982، التي نجم عنها احتلال أجزاء واسعة من لبنان، حين تشكّلت أولى خلايا الحزب، وقَوِيَ ساعدها بعمليات المقاومة التي أدّت إلى استنزاف جيش الاحتلال، وانسحابه من لبنان في عام 2000، من دون قيد أو شرط، وتفكيك جيش لبنان الجنوبي المُرتبِط به، وإنهاء ما عُرف بالشريط الحدودي العازل. ثمّ تجدّد القتال في حرب 2006، بعد أسر الحزب جنديَّين إسرائيليَّين، ومُني الجيش الإسرائيلي، هذه المرّة، بخسائر فادحة حاول تعويضها بتدمير البنى التحتية في لبنان، واستهداف ضاحية بيروت الجنوبية، في ما عُرف بـ”عقيدة الضاحية”، التي تتمثّل باستهداف المناطق المدنية، التي تشكّل حاضنةً شعبيةً للمقاومة، وهو الأسلوب الذي توسّع لاحقاً في استخدامه في غزّة، خلال حرب الإبادة الجماعية.

واصل حزب الله تعزيز قدراته العسكرية، ومراكمتها، بطرائق مختلفة، ولم تنجح محاولات العدوّ وغاراته الجوّية شبه اليوميّة لضرب خطوط الإمداد عبر الحدود العراقية – السورية، في معركة مستمرّة، كان الصبر فيها على الضربات سلاح المقاومة، والفشل حليف العدوّ، الذي عجز عن تدمير هذه القدرات في مرحلتها الجنينية، فتراكمت لتبلغ ما يزيد على مائة ألف صاروخ ذي تقنية عالية، وقدرات تدميرية كبيرة، وآلاف الطائرات المسيّرة، وجيش مدرَّب ومسلَّح لا يقلّ تعداده عن مائة ألف مقاتل، وحاضنة شعبية مكّنته من التموضع في طول خطوط المواجهة في الجنوب اللبناني.

بعيداً من الموقف من الصراعات الإقليمية التي خاضها حزب الله، أو سياسته في الداخل اللبناني، وارتباطه الوثيق بالحرس الثوري الإيراني والسياسة الإيرانية في المنطقة، وتشابك علاقاته مع أصدقائه أو خصومه، فإنّ العدو الصهيوني ينظر إليه بوصفه أحدَ الأخطار الرئيسة التي تهدّده، ما جعل من المواجهة بين الطرفَين مسألةً حتميةً يرتبط توقيتُها باختيار اللحظة المناسبة، وقد كان ذلك قائماً قبل معركة طوفان الأقصى، واستمرّ خلالها. ولعلّ استمرار القتال في الجبهة الشمالية بشكل متواصل منذ بدء الحرب على غزّة، واتساع نطاقه، وخروج كلا الطرفَين مرّات كثيرة عن قواعد الاشتباك الأولى بينهما، وتسبّبه في هجرة ما يزيد على مائة ألف مستوطن في الجليل، والتطوّر الملحوظ في أداء المقاومة، وما تسبّبه صواريخها ومُسيّراتها من استنزاف يومي للجيش الإسرائيلي، وارتباك في جبهته الداخلية، وتعثّر جهود الوساطة الأوروبية والأميركية للوصول إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار على جبهة لبنان، الذي ربطته المقاومة بوقف القتال في جبهة غزّة، وقرب انتهاء عمليات الجيش الإسرائيلي في القطاع بانتهاء عملية رفح، والتوجّه إلى ما يطلق عليه “المرحلة الثالثة” من الحرب، التي تتمثّل في استمرار العمليات العسكرية اليومية، ولكن، على نطاق أضيق، وباستخدام حشد أقلّ من الوحدات العسكرية، قد لا يزيد على عشرة ألوية، أي ثلاث فِرق بدلًا من ستّ إلى عشر فِرق حاليّاً، ما يسمح بحشد هذه القوات الإضافية في الجبهة الشمالية، وسعي بنيامين نتنياهو إلى إطالة أمد الحرب إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، ورغبة الحكومة الإسرائيلية في حسم معركتها مع حزب الله، في ظلّ حالة التعبئة العامّة المعلنة، وجنوح المجتمع والجيش الإسرائيلي نحو الحرب، وإدراكه عدم قدرته على شن حرب جديدة وتحمّل أعبائها بعد انتهاء الحرب الحالية بفترة وجيزة، خلال عام أو اثنين، إضافة إلى التعهّد الأميركي بتقديم الدعم الكامل للجيش الإسرائيلي إذا ما شنّ حرباً على لبنان… جميع هذه المعطيات تجعل احتمالات اندلاع حرب شاملة في لبنان أقرب من أيّ وقت مضى، وقد يكون ذلك خلال ساعات أو أيام أو أسابيع. وهي حربٌ قد يتجاوز هدفها تدمير قدرات الحزب القتالية، وتقليص خطره على الكيان الصهيوني، إلى إضعاف تأثيره الإقليمي من جهة، وإعادة رسم خطوط التوازنات السياسية اللبنانية من جديد، كما فعل العدوّ في حرب عام 1982، التي أسفرت عن تنصيب بشير الجميّل، ومن ثمّ أخيه أمين، رئيسين للبنان، في محاولة لفرض معادلات جديدة في مسألة التوازن الطائفي اللبناني.

تغيّرت استراتيجية العدوّ وأساليبه العملياتية في حروبه المتكرّرة على لبنان، ففي حرب 1982 وصلت قواته إلى أطراف بيروت والجبل والبقاع، في غضون أيام، وبقيت أجزاء من الأرض اللبنانية حتّى عام 2000، على خلاف حرب 1978، التي عُرفت بحرب الأيام الثمانية، أو حرب الليطاني، إذ سرعان ما انسحب العدوّ من المناطق التي احتلّها، وحلّت مكانه قوّات الأمم المتّحدة (يونيفيل). أمّا في حرب عام 2006، فكان تقدّم قوات العدوّ على الأرض محدوداً، وسط مقاومة ضارية، وركّزت على تدمير البنى التحتية، وفق “عقيدة الضاحية”.

ستكون الحرب المتوقّعة طويلةً وقاسية، وثمّة سيناريوهاتٌ إسرائيليةٌ محتملة لها، يتوقّف تطبيق أيّ منها على الأهداف المرسومة للحرب، ومنها سيناريو عام 1978، الذي يهدف إلى إبعاد قوات حزب الله عن الحدود إلى ما وراء نهر الليطاني، وهو أمر صعب التحقيق لارتباط الحزب بحاضنته الشعبية في هذه المناطق، وضراوة القتال المتوقّع نظراً إلى حجم الاستعدادات المتواصلة منذ أكثر من 20 عاماً. وثمّة احتمال بأنّ يلجأ العدوّ إلى استخدام سلاح الجو بشكل مكثّف لضرب البنى التحتية، وقطع خطوط الإمداد، وتوجيه ضربةٍ استباقيةٍ كبيرة، ويجب ألا تغيب عن البال، أيضاً، احتمالية تنفيذه مناورة برّية واسعة، قد تكون عبر الخاصرة السورية الرخوة باتجاه مواقع الحزب عبر البقاع، والالتفاف نحو الجنوب. وبطبيعة الحال، كلّ سيناريو مرتبطٌ بالهدف السياسي الكامن وراءه، والمدى الزمني اللازم لتحقيقه.

لكنّ سيناريوهات العدوّ ليست قدراً، وقد جرّبنا ذلك في قطاع غزّة الذي أصبحت الحرب فيه على أعتاب الشهر العاشر، على الرغم من التقديرات الأميركية التي قالت إنّها ستستغرق بضعة أسابيع، وما زال العدوّ عاجزاً عن تحقيق الأهداف التي أعلن عنها. ولدى المقاومة في لبنان قدرات عسكرية وقتالية تفوق تلك التي تمتلكها كتائب الشهيد عز الدين القسّام في غزّة، وصواريخها ومسيّراتها قادرة على الوصول، وبكثافة عالية، إلى أيّ هدف في الكيان المُحتلّ، بل قد يكون لديها القدرة على تنفيذ هجمات مضادّة باتجاه أجزاء من الجليل. وبحسب التقديرات الإسرائيلية، ستكون خسائرهم في الجبهة الشمالية أكبر بكثير من خسائرهم في الجبهة الجنوبية.

ثمّة سؤال يكرّره المراقبون بشأن احتمال امتداد هذه الحرب لتشمل الإقليم، بمعنى أنّ تدخل إيران طرفاً فيها، ما قد يستدعي تدخّلاً أميركياً مباشراً، وتدخّل قوى إقليمية أخرى، وأغلب الظنّ أنّ كلاً من إيران والولايات المتّحدة ستحاولان تجنّب هذا الخيار، وإنّما ستلجأ إيران إلى القتال عبر أذرعها في المنطقة، في حين لن تبخل الولايات المتّحدة على الكيان الصهيوني بالأسلحة والذخائر والمعلومات الاستخباراتية والمستشارين العسكريين، لكنّ هذا السيناريو يُغفِل نقطةً مُهمّةً تتعلّق بالرغبة الإسرائيلية بتوجيه ضربة إلى المشروع النووي الإيراني، وهو هدف طالما ردّده المسؤولون الإسرائيليون، فهل ستنجح الولايات المتّحدة في كبح جماح إسرائيل، أم أنّها ستنجرّ وتجرّ المنطقة بأكملها معها إلى حربٍ إقليميةٍ سيكون لها ما بعدها؟

مقالات ذات صلة