لبنان نقطة ضعف حزب الله

رندة حيدر

حرير- أظهرت المواجهات الدائرة منذ الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بين حزب الله والجيش الإسرائيلي إسناداً للحرب التي تخوضها حركة حماس في غزّة نقاط قوة عديدة في الحزب الذي استطاع أن يحقق، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، إنجازات مهمّة، في طليعتها إجبار إسرائيل على إخلاء سكّان المستوطنات المتاخمة للحدود الذين تحوّلوا إلى نازحين، ومشكلة اجتماعية واقتصادية تضغط على الحكومة وتتهمها بإهمالهم وتركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم بعد أن تحولت مستوطناتهم مدن أشباح مع خراب ودمار غير مسبوقيْن.

ومن نقاط قوة حزب الله تمكّنه، طوال الأشهر الثمانية الماضية ورغم موجات التصعيد الخطرة أخيراً، من عدم الانجرار إلى حربٍ واسعة شاملة، رغم اشتداد كثافة الاستهدافات الإسرائيلية وتوسع رقعتها لتشمل أهدافاً تبعد أكثر من مائة كلم عن الحدود اللبنانية الجنوبية. وبذلك أثبت أنه لا يزال يتحكّم بقواعد الاشتباك، رغم تغييرات كثيرة طرأت عليها خلال الأشهر الماضية.

عسكرياً، تمكّن حزب الله من تحويل حرب الإسناد التي بدأها إلى حرب استنزاف مؤلمة ومكلفة للجانب الإسرائيلي، ونجح، في أكثر من مناسبة، في توجيه ضرباتٍ موجعةٍ للجيش الإسرائيلي، وتحدّى مرّاتٍ القدرات العسكرية الهائلة لهذا الجيش الذي يزعم أنه يخوض حرباً دفاعية مع الحزب، ويرد على ضرباته بضرباتٍ أقسى وأقوى. وبرهن الحزب في هذه المواجهات تطوّر قدراته العملانية وبعتاده العسكري، ولمّح إلى أن لديه سلاحاً مختلفاً لم يستخدمه بعد في المواجهات الحالية، الى جانب ترسانته الصاروخية التي تستطيع أن تقصف الجبهة الداخلية في إسرائيل بأكثر من خمسة آلاف صاروخ يومياً إلى أشهر.

سياسياً، تتمثل نقطة قوة حزب الله في الدعم الذي يحظى به من إيران التي هدّدت غير مرّة بأنها لن تبقى مكتوفة الأيدي، إذا تحوّلت المواجهات إلى حرب شاملة. ويجب أن يضاف إلى ذلك موقف الإدارة الأميركية المعارض بشدّة توسّع الحرب مع حزب الله، ويمكن أن نرى ذلك بوضوح في تصريحات موفد الرئيس الأميركي، عاموس هوكشتاين، أخيراً في إسرائيل، وحذّر فيها من أن حرباً شاملة ضد حزب الله في لبنان قد تؤدّي إلى هجوم إيراني سيكون من الصعب على إسرائيل مواجهته.

وفي المحصلة، ربط حزب الله ربطاً وثيقاً بين وقف المواجهات على الحدود اللبنانية الجنوبية ووقف إطلاق النار في غزّة، حساباته في ذلك أنه يستطيع أن يضغط على إسرائيل للقبول بشروط حركة حماس بشأن المقترح الأميركي بما يتعلق بصفقة المخطوفين ووقف إطلاق النار. لكن حزب الله لم يربط فقط مصير جنوب لبنان بصفقة المخطوفين ووقف إطلاق النار في غزّة، بل مصير لبنان كله دولة وشعباً، سيما في ضوء الجدل الإسرائيلي المتصاعد بشأن احتمالات شنّ حرب إسرائيلية على جبهتين في وقت واحد، فقد تصاعدت أخيراً حدّة الجدل داخل إسرائيل بشأن كيفية التعاطي مع حزب الله، وبرزت وجهتا نظر، واحدة تعارض شن حرب شاملة ضد حزب الله في لبنان، وتحذّر من العواقب الوخيمة لمثل هذه الحرب على الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ في حين برزت أصوات أخرى تطالب بالحسم العسكري وتعتبره السبيل الوحيد لاستعادة الردع وإعادة سكّان المستوطنات إلى منازلهم.

أظهر هذا النقاش الإسرائيلي لاحتمالات شنّ حرب ضد حزب الله أن نقطة الضعف الأساسية لهذا الحزب هي لبنان نفسه دولة وشعباً، ففي رأي عسكريين سابقين وحاليين أن لا سبيل إلى القضاء على حزب الله عسكرياً ولا نزع سلاحه في منطقة الجنوب مثلاً، بينما يمكن إضعافه فعلياً من خلال ضرب البنى التحتية الحيوية للدولة اللبنانية وشلّها وتركيعها، وهذا ليس صعباً نظراً إلى حالة التفكك الهائل الذي تعاني منه الدولة اللبنانية من دون رئيس للجمهورية وجيش وطني غير قادر على دفع رواتب جنوده، واقتصاد منهار، وشعبٍ يكافح يومياً من أجل لقمة عيشه وسط أزمة مالية واقتصادية خانقة، وتعويل كبير على مساعدات المغتربين اللبنانيين في دعم أهاليهم.

ويبدو أكثر فأكثر أن التهديد الإسرائيلي بحرب لبنان ثالثة موجّه إلى الدولة اللبنانية المفكّكة، وإلى الشعب المغلوب على أمره، أكثر مما هو موجّه إلى حزب الله الذي لديه القدرة العسكرية، على الأرجح، لمواجهة مثل هذه الحرب. وبغضّ النظر عن مدى جدّية هذه التهديدات الإسرائيلية التي نسمعها منذ حرب تموز (2006)، فإن الظروف اليوم تبدّلت كثيراً، وقد يكون نموذج حرب غزّة مثالاً حياً لما هو آت.

لقد وصلت حرب الاستنزاف التي يخوضها حزب الله من لبنان دعماً وإسناداً لحركة حماس في غزّة منعطفاً خطيراً. وشئنا أو أبينا، يبدو اليوم مصير لبنان كله، وليس منطقة الجنوب فقط، معلقاً على وقف إطلاق النار في غزّة ووقف الحرب. وقد وصل اليوم هذا الربط الذي أقامه حزب الله بصورة مقصودة إلى عقدة مستعصية، وهي السؤال عمّن يضمن، إذا فشلت مساعي التوصل إلى صفقة مخطوفين ووقف إطلاق نار في غزّة، ألا تلجأ إسرائيل، إذا استمرّت المواحهات وتصاعدت، إلى الطريقة الوحيدة لإضعاف حزب الله، أي ضرب البنى التحتية للدولة اللبنانية نفسها؟

مقالات ذات صلة