عائلة نهى الكسواني.. حالة استثنائية في حب المعرفة

حالة استثنائية في حب المعرفة تخيم على منزل نهى الكسواني، التي قادها عشق الكتاب بكل فخر إلى العودة مجدداً إلى مقاعد الدراسة الجامعية ولكن ليس بمفردها، بل مع أبنائها الذين يعتبرونها قدوة وقائدة يستمدون الطموح من رحيق ثقافتها وإصرارها على التميز، لكونها انقطعت عن إكمال دراستها الجامعية لنحو 16 عاماً بسبب تفرغها لتربيتهم، ولكنها لم تنقطع يوماً عن طلب العلم والمعرفة وفضلت رفقة الكتب في حلها وترحالها.

نهى الكسواني، أم لأربعة أبناء، وهم: فهد ومحمد وخالد وهند، تزوجت وهي لا تزال في المرحلة الثانوية، وبتشجيع من زوجها عبدالرحمن حوكل، أول معلق رياضي في الإمارات، وحبها لطلب العلم، تحملت مشقات الحمل وظروف الدراسة المسائية، وتخرجت من الثانوية العامة عام 1997، معلنة بعدها التفرغ الكامل لبيتها وأطفالها، وقالت لـ«البيان»: تربية الأبناء تتطلب وعياً ودراية بكل مرحلة من مراحل نموهم، وقد كانت القراءة خير معين لي كأم تود فهم ما يمر به أطفالها من نمو عقلي وبدني ونفسي وسلوكي، ولكن شغفي بالقراءة لم يتوقف عند نوعية معينة من الكتب العلمية المتخصصة، بل تعداه إلى قراءات في مجال الثقافة والأدب والشعر، لأنني على ثقة بأن الأم القارئة تنمي خيال أطفالها وترتقي بهم وتغرس حب الاطلاع في نفوسهم، وهذا ما مهد لنقلة نوعية في حياتي وحياة أسرتي.

مخازن معرفية

وتابعت: الوظيفة تحفز المرأة على مواكبة المستجدات وتنمية الخبرات وصقل المهارات بلا شك، وبما أنني لم أكن أعمل في تلك الفترة، فقد كنت ألجأ للكتب كونها مخازن معرفية، واستطعت وبجهد ذاتي تثقيف نفسي بنفسي وتطوير مهارة الكتابة لدي، إلى أن كبر أبنائي واشتد عودهم وأصبح بإمكانهم الاعتماد على أنفسهم، وحينها قررت خوض غمار الوظيفة والعمل كما سجلت مشاركات تطوعية كثيرة في أهم المحافل المحلية.

واقعية وشفافية

حول قدرتها على الانخراط السريع في ميدان العمل والتكيف معه، إضافة إلى التواصل مع الآخرين وتكوين شبكة معارف واسعة في وقت قياسي، أكدت الكسواني، أن القراءة كانت نافذتها للتعرف على نماذج كثيرة في المجتمع، وقالت: لم تترك الكتب جانباً حياتياً إلا وتناولت تفاصيله بدقة، كما إنها تعاطت مع النفس البشرية بشيء من الواقعية والشفافية والمصداقية، ولم أفكر يوماً بالفشل أو الإخفاق، ربما لتأثري الكبير بأبطال الروايات الذي يمرون بعقبات وتحديات إنسانية واجتماعية ولكنهم ينجحون بالتغلب عليها في نهاية المطاف، ولا أنكر أنني أحياناً كنت أتماهى ببعض الشخصيات وأقيس الأحداث على نفسي وأتخيل أنني مررت بها وأتخذ القرارات الشجاعة التي أتخذوها في لحظات مصيرية.

ثقة كبيرة

الكسواني قارئة نهمة، أغراها حب الكتاب باتخاذ قرار مهم شكل منعطفاً فارقاً في حياتها، وقالت: لطالما تمنيت العمل في مجال الإعلام، وهذا ما جعلني أقتني كتباً عديدة حول نظريات الاتصال والإعلام الجماهيري والعلاقات العامة، وأهلني للعمل في مجال إعداد البرامج التلفزيونية في قنوات محلية، وفي بداية عام 2013 راودتني فكرة دراسة الصحافة في إحدى الجامعات بدبي، ووضعت كافة الاحتمالات أمامي، لكوني أما وموظفة ولدي التزامات اجتماعية، ولكن الشيء الوحيد الذي شجعني على اتخاذ هذه الخطوة، هو ثقتي بأن المعرفة التي نهلتها من الكتب لم تذهب سدى، وبأن الكتب التي استزدت بها لن تخذلني. وأضافت: تفاجأت عائلتي بقراري، والطريف أنني عندما ذهبت لتسجيل ابني محمد في الجامعة، قدمت الأوراق المطلوبة والخاصة بي أيضاً، وشكلنا معاً ثنائياً فريداً سيتخرج قبل نهاية العام الجاري، حيث يدرس محمد تقنية المعلومات أما أنا فقد تخصصت بالصحافة.

جيد جداً

أشارت الكسواني إلى أن فارق السن بينها وبين باقي الطلاب والطالبات في الجامعة، أعاد لها ذكريات جميلة، وقالت: أشعر وكأنني أجلس للمرة الأولى على مقاعد الدراسة، حيث رهبة الأساتذة الجامعيين والامتحانات والواجبات، والمثير أن قراءاتي السابقة والمتعمقة في المجال سهلت علي مسألة الدراسة لدرجة أنني سأتخرج قبل عام من الموعد المحدد للتخرج بتقدير جيد جداً.

معلومات نوعية

الثقافة الواسعة التي تمتلكها الكسواني إضافة إلى خبرتها المهنية، مهدا أمامها الطريق لإلقاء عدد من المحاضرات في مجال تطوير الذات والعمل التطوعي ونيل عدد كبير من شهادات الشكر والتقدير، وقالت: في كل مرة كانت تُتاح أمامي فرصة إلقاء محاضرة مجتمعية، كنت أستعين بالمكتبة والكتب لاستقاء معلومات نوعية تنعش أجواء المحاضرات والندوات وتجدد حيوية الأجواء.

تجارب إنسانية

لفتت الكسواني إلى أن البيت الذي لا كتاب فيه لا يحظى سكانه بحياة صحية وسعيدة وآمنة ومستقرة، فما تجهله كثير من الأسر أن عدد ونوعية الكتب الموجودة في منازلهم تعكس جودة حياتهم، وقالت: يستطيع الإنسان الاطلاع على تجارب إنسانية مختلفة من خلال قراءة الكتب، ما يجعل من عملية فهمه وتواصله مع الآخر أكثر وعياً ونضجاً ورقياً، لاسيما وأن القراءة قادرة على تحصينهم من الانحراف الفكري والتدهور المعرفي وتعزيز التفكير الناقد والإيجابي.

وتابعت: القراءة نشاط إبداعي يحفز الذاكرة والتركيز ويساعد الإنسان على اجتياز مشاعر التوتر أو الإحباط، وبالنسبة لي فلطالما استعنت بالقراءة لتخطي الأفكار السلبية التي تكون عادة نتيجة ضغوطات حياتية مختلفة، وليس هذا وحسب، بل إن القراءة مكنتني من التعبير والكتابة الأدبيــة بشكــل أفضـل.

حب الكتاب

بسؤال الكسواني عن كيفية غرسها حب القراءة في نفوس أبنائها، قالت: لم أتبع أسلوب الضغط، لأن حب الكتاب لا يكون بالإكراه والإجبار، بل كنت حريصة في البداية على إحاطتهم بالكتب بشكل غير مباشر، كأن يلاحظوا وجودي في الغرفة وأنا أقرأ، أو أترك مجموعة من الكتب على الطاولة، أو أن أطلب من أحد أبنائي أن يجلب لي كتاباً معيناً من خزانة الكتب وهكذا، ثم تدرجت في اكتشاف طاقاتهم الدفينة واقتربت أكثر من هواياتهم وميلوهم وبدأت أساعدهم في اقتناء الكتب التي تساعدهم على تطوير مهاراتهم.

وتابعت: كأم تحرص على تثقيف أبنائها بشكل صحيح ورفع ثقتهم بأنفسهم، عملت على توفير كتب تذهب بعقولهم أعمق مما يتم مناقشته في الفصول الدراسية، وذلك بهدف مساعدتهم على التركيز وربط المعلومات وتثبيتها في أذهانهم، علاوة على أن القراءة تجعلهم أمام معلومات أكثر وضوحاً واكتمالاً، ما يثـري مخيلتهـم ويساعدهـم علـى الخروج بقـدر كبيـر مـن الـدروس المستفـادة.

اللغة العربية

تطرقت الكسواني للحديث، عن اهتمام أبنائها بقراءة الكتب الإنجليزية، وأوضحت أنه في ظل اعتماد المدارس والمراحل التأسيسية للطفل على اللغة الإنجليزية بشكل أساسي، فلا يجب لوم الأجيال الناشئة على إهمالها للغة العربية، والنهوض سريعاً لإعادة النظر بالمناهج الدراسية لتغرس في الطفل حب لغته العربية، وقالت: البناء يبدأ من المدرسة، ودعم اللغة العربية يسهم في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الشابة، كما يمكنهم من التعرف على تاريخ أجدادهم وأوطانهم، فالمُلاحظ أن هناك شريحة كبيرة من أبنائنا لا يتقنون اللغة العربية ويجدون صعوبة بالتحدث فيها كما يفضلون التواصل باللغة بالإنجليزية ويقبلون على قراءة الروايات العالمية ولا يعرفون شيئاً عن تراثهم وعاداتهم وتاريخهم.

سفر وترحال

لا تستغني نهى الكسواني عن الكتب الورقية، إلا في حال السفر، وقالت: ملمس الورق يجعلني استلذ أكثر باحتساء قهوة الصباح، ولكني لا أفارق الكتب التقليدية إلا في أوقات السفر والترحال، حيث أحمل معي جهاز «الآي باد» وأستمتع بالقراءة الإلكترونية في أوقات الفراغ

مقالات ذات صلة