لكل دولة من زعيمها نصيب: الصين وامريكا وايران وإسرائيل والكورونا

كتب ألفرد عصفور

تفاوتت إجراءات الدول تجاه فايروس كورونا فاختلفت النتائج في كل بلد حسب ما أسعفته ميزات زعيمه القيادية وبنيته الفكرية وتهيئته المهنية.

خمسة نماذج يمكن رصدها. الأول ينطلق من الأنانية السياسية. والثاني يمثل احترام البحث العلمي، بينما الثالث مناهض لسابقه ويجسد الاضطراب ومعاداة العلم، والرابع يجسد الفوضى أما الخامس فهو نموذج الانضباط العسكري.

تشابهت استجابة الصين وإيران وإسرائيل انطلاقا من تفضيل مصلحة النظام والحزب.

في الصين وضع الرئيس المتخصص في الهندسة الكيماوية العقلية العلمية جانبا واعتبر الفايروس عدوا سياسيا وتعامل معه بهذه الطريقة.  واخفت السلطات الحزبية المحلية الحقائق فعطلت الاستجابة الصحيحة في الوقت المناسب وكل من حذر ونبه تمت معاملته وكأنه عدو للدولة والحزب.

وفجأة في نهاية شهر كانون ثاني / يناير خصص الرئيس الصيني كل جهده لمتابعة عدوه. فتشدد في فرض الإغلاقات وحظر التجول لكن المعارضة رأت أن هذه المبالغة قصد بها فرض هيبة الدولة التي تتعرض للتآكل.

في إيران الوضع مختلف قليلا لكنه مشابه من حيث الجوهر. استجابة ضعيفة وتأخر في إبلاغ الناس بخطورة الوباء حتى تمر الانتخابات بسلام ويمر عيد الثورة وعيد النيروز. ويبدو هذا ناجما عن ضعف مؤسسة الرئاسة لضعف رئيسها الذي يرتهن للمرشد وللحرس الثوري. يقود الحرس الثوري علاقة مميزة مع الصين فلم تستطع الرئاسة منع عودة سبعمئة طالب صيني يدرسون في قم زاروا بلادهم في ذروة انتشار المرض هناك.  كما لم توقف الرحلات الجوية من وإلى الصين لطائرات الشركة التي تتبع الحرس الثوري. الصراع بين أقطاب الحكم في إيران تمثل برفض تنفيذ تعليمات الرئيس وكان لذلك ثمنه من الأرواح.

في إسرائيل ظلت الأنانية السياسية تلازم رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي كان يتعامل مع الوباء بطريقة بوليسية بتعليمات أمنية لمتابعة المصابين الذين وضعوا في العزل.  خِدمته في وحدة العمليات الخاصة في الجيش جعلت منه شخصا قاسيا.  واجه نتانياهو تحدي الفايروس بقوة لكنه استغله بطريقة انتهازية. كان يظهر كل ليلة على التلفزيون مرتديا الكمامة الطبية محذرا بان الفايروس قد يصيب مليون إسرائيلي ويقتل عشرين ألفا على الأقل. لكن الصحافة اتهمته بالتصرف وكأن الوباء غير موجود منشغلا في الشؤون الحزبية لضمان فوزه برئاسة الحكومة لان هذا كان السبيل الوحيد لانفكاكه من مواجهة القضاء بتهم الفساد التي قد تضعه وراء القضبان.

النموذج الثاني كان محط أنظار العالم لاتصافه بالحكمة والهدوء والمرونة. انه نموذج المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تصرفت بشغف مستوحى من عقليتها العلمية والتحليلية. فهي تحمل درجة الدكتوراة في كيمياء الكم ولها بحوث علمية وعندما انتقلت إلى عالم السياسة ظلت تحتفظ بالتفكير العلمي. عندما خاطبت برلمان بلادها عن الوباء رسمت صورة علمية له معتمدة في قراراتها على استشارة خبراء من المؤسسات البحثية الألمانية الرفيعة. وهذه الميزة جعلت العالم يلتفت إلى تعامل ألمانيا مع الوباء.

في الجانب الآخر من الأطلسي هناك النموذج المضطرب والمعادي للعلم الذي يمثله الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كانت استجابة ترامب للوباء مضطربة مثلما هي شخصيته. وكانت إحدى ميزاته مناقضة الأطباء والعلماء مستندا إلى آرائه الخاصة. ويقول منتقدوه أن إدارته تضع الغريزة السياسية فوق الحقائق العلمية. ويرى دوغلاس برنكلي المؤرخ في جامعة رايس أن ترامب هو الرئيس الأميركي الأكثر عداء للعلم.

ففي بداية زحف الوباء ظل يقلل من خطورته مصرا على أن الأمر بسيط وسيتم تجاوزه. وكان يوزع الاتهامات يمينا ويسارا ويتهم الصحافة بانها تهول الأمر وتضر الاقتصاد. كذلك استخدم ترامب الوباء كمادة انتخابية ليهاجم الحزب الديمقراطي ويتهمه بالمبالغة.

يوصف ترامب بانه فوضوي ويلوم الآخرين على أي فشل يتعرض له. وحتى منتصف مارس / آذار ظل ترامب يستمع لأصدقائه رجال الأعمال ويرفض وقف الرحلات الجوية ويرفض خطة التباعد الاجتماعي وإغلاق المدارس والأعمال لكن وطأة المرض أجبرته على ذلك.

أراد فريق البيت الأبيض العلمي مقابلة الرئيس لوضعه في الصورة لكن الرئيس سافر إلى الهند فأصدر الفريق تحذيره بدون علم الرئيس أو موافقته. لم يستمع للنصائح المبكرة التي نبهت إلى خطورة الفايروس. بل أنه روج لأدوية وعلاجات لم تثبت فاعليتها وقد رفض العلماء اعتمادها. وقال مرة أن حقن المصابين بالمعقمات قد يساعد على قهر الفايروس الأمر الذي استدعى السخرية منه. تعامل ترامب مع الوباء من منطلق الربح والخسارة نظرا لخلفيته التجارية والمالية. كان على عجلة من أمره لإعادة فتح البلاد لكن ضغط الخبراء والمستشارين منعه من ذلك.

النموذج الرابع يمثله بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني. كان له طريقة مختلفة تماما في التعامل مع الفايروس. اعتبر جونسون الأمر بسيطا ومخاطره معتدلة ويمكن ضبطه والسيطرة عليه وكان يتباهى بأنه زار المصابين بالمرض من دون كمامة ولا قفازات. ونصح البريطانيين بمواصلة حياتهم كالمعتاد وأن كل شيء على ما يرام إلى أن أصيب هو نفسه بالمرض.

اعتمدت حكومة جونسون مبدأ غاية في الغرابة عندما يطبق على البشر وهو مبدأ مناعة القطيع. ظن جونسون أن ترك المرض يتفشى بين الناس سيؤدي إلى تحصينهم، لكن التحصين المفترض لم يحدث وأصيب جونسون نفسه بالمرض. خلق المرض لحكومة جونسون أزمة هي الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية. كانت استجابة جونسون للفايروس وأدواته لإدارة الأزمة مثيرة للسخرية بحسب الصحف البريطانية التي اتهمته بعدم الجدية وقالت صحيح إنها الحرب لكن جنودها مسلحون ببنادق صيد.

النموذج الخامس يمثله الملك عبد الله الثاني. الخلفية المهنية والفكرية للعاهل الأردني عسكرية بامتياز. فهو خريج أكاديمية ساندهيرست العسكرية وعمل في الجيش البريطاني ثم في الجيش العربي وكان قائد القوات الخاصة الأردنية. كذلك فان الخلفية العسكرية لوزير الصحة الدكتور سعد جابر كان دورها فاعلا ومهما وواضحا في السيطرة على الوباء وضبط انتشاره والوصول بالبلاد إلى مرحلة الخطر المعتدل الذي سمح بفتح الاقتصاد بنسبة عالية.

بحسب المفهوم العسكري فإن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، فكان تأمين الحدود وإغلاق المعابر الخطوة الاستباقية الأولى، تلاها التدقيق في القادمين إلى البلاد وحجرهم جميعا حجرا احترازيا. اجتماع دائم للحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية في المركز الوطني لإدارة الأزمات، وفرض حالة الطوارئ، وإصدار بيانات واضحة ومحددة عن كل التفاصيل.

في وقت مبكر تم منع التجمعات وإغلاق المدارس والجامعات والصالات والمقاهي والمساجد والكنائس وتعطيل الأعمال الخاصة والحكومية ثم فرض حظر التجول أحيانا الجزئي وأحيانا الشامل وتكليف الجيش والأجهزة الأمنية بمراقبة التطبيق.

الانضباط العسكري في إدارة أزمة كورونا في الأردن كان ظاهرا. حتى الملك كان في معظم الأحيان يظهر متابعا للاجتماعات الحكومية ومتفقدا أحوال الناس والمؤسسات بالزي العسكري الأمر الذي يوحي بالانضباط وحسن السيطرة.

لكل واحد من هذه النماذج كثير مثلها في أماكن أخرى من العالم والمهم على الدوام هو الالتزام بأن تكون سلامة الإنسان هي الهدف الأول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة