تفاصيل صفقة القرن….. ايمن دهاج الحنيطي*

 

لنبدأ من مقابلة جاريد كوشنير مع صحيفة القدس الفلسطينية الحصرية عن صفقة القرن، رغم انه لم يات على تفاصيلها، لكن يفهم منها الكثير حول الصفقة التي باتت الشغل الشاغل لشعوب المنطقة، لما عرف عنها انها الوصفة الاسرائيلية – الاميركية لتصفية القضية الفلسطينية.

مما قاله كوشنير حول ما يريده القادة العرب، ومما رشح من تسريبات عبر الصحافة العبرية والاجنبية حول الصفقة، ستكون هناك دولة فلسطينية – منقوصة- عاصمتها في القدس الشرقية التي تشمل جبل المكبر، شعفاط، العيساوية، وابو ديس عاصمة الدولة والتي ستنقل اداريا للفلسطينيين، وبذلك تتخلص الدولة العبرية من خطر ديموغرافي يهددها به 150 الف مقدسي في هذه المناطق، وسيعمل الاميركان على جعل قنصليهم في ابو ديس، لاعطاء الطابع الدولي لعاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية، والتي ستربط كونفدراليا سريعا مع الاردن.

اما البلدة القديمة بأحيائها الاربعة : الاسلامي والمسيحي والارمني واليهودي، والحائط الغربي او البراق او المبكى كما يسميه اليهود، ستكون تحت السيادة الاسرائيلية، وتقسم على مبدأ “ما لليهود لليهود، وما للمسلمين للمسلمين في العبادة والطقوس”، وفق تقسيم مكاني وزماني يتفق عليه، وستكون الرعاية في الاماكن المقدسة في المسجد الاقصى، رعاية اردنية هاشمية بما لا يتناقض ابدا مع البند التاسع من معاهدة السلام الاردنية – الاسرائيلية، والاتفاق الاردني – الفلسطيني من العام 2013 بين الملك عبدلله الثاني، ومحمود عباس، بحيث يعود الوضع الذي كان قائما في الحرم القدسي الشريف قبل ايلول 2000 وهو مطلب اردني بحت .

اما الكتل الاستيطانية الرئيسية : غوش عتصيون ، ومعاليه ادوميم ، وارئيل ، والتي بقت طيلة الفترة الماضية مثار جدل دولي، فانها ستضم الى السيادة الاسرائيلية باعتبارها اصبحت امرا واقعا بعد عمليات التسمين الاستيطاني التي لم تتوقف ابدا، وشهدت زخما غير مسبوق ابان حكومات نتنياهو الثالثة والرابعة الحالية، من منطلق سياسة فرض الامر الواقع على الارض، خصوصا بعد التعهد الخطي من الرئيس الاميركي بوش الابن لشارون بالاحتفاظ بهذه الكتل الاستيطانية في أي مفاوضات مستقبلية، تمهيدا لتسمين الضفة الغربية والقدس بمليون مستوطن.

وتلبية للمطلب الاسرائيلي الملح، واحتياجات اسرائيل الامنية، ستحتفظ دولة الكيان بموجب الصفقة بمنطقة الاغوار على اعتبار ان جيشها هو الوحيد القادر على تامين حدودها، وذلك لدرء أية اخطار من قبل الجماعات الجهادية، او الميليشيات الشيعية، او التنظيمات الارهابية من جهة الشرق، وهو ما استدعى تشييد جدران واسيجة امنية لحماية “فيلا” الكيان كما سماها نتنياهو “من الوحوش حولها” ، اما المعابر الحدودية مع السلطة الفلسطينية، والاردن ستكون تحت اشراف دولي، لكن بحضور اسرائيلي فاعل .

عربيا، وحتى تتهيأ الظروف لقبول هذه الترتيبات فلسطينيا واردنيا، سيكون العامل الاقتصادي، والسلام الاقتصادي هو المغلف الذي ستغلف به القضية الفلسطينية تمهيدا لطيها، وارسالها في بريد الزمان، رزمة مشروعات اقتصادية بمليار دولار بتمويل خليجي لانعاش غزة وسيناء على حد سواء، وانهاء المعاناة الانسانية التي يعيشها الغزيون الذين يجري التلاعب بهم تارة من سلطة أوسلو، وتارة اخرى من سلطة حماس .

اما الاردن الذي جرت محاربته اقتصاديا، والتضييق عليه لتجرع المر، والقبول على مضض بما خطط له من قبل قوى دولية واقليمية وعربية ، لا حول له ولا قوة في مواجهتها، ستقدم له اغراءات اقتصادية، ولربما تشطب ديونه الخارجية التي وصلت الى 30 مليار دولار، وسيكون التعاون الاقليمي بين رجال الاعمال الاردنيين والفلسطينيين والاسرائيليين والخليجيين والمصريين، برعاية دولية طبعا هو عنوان المرحلة المقبلة، فهناك مشروع ” نيوم” لولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، وهناك مشروعات اعادة الاعمار في العراق وسوريا، وهناك مشروع “قطار السلام” الذي يتباه وزير المواصلات الاسرائيلي يسرائيل كاتس، والذي تلقى توجيهات من نتنياهو مؤخرا للتعجيل به خدمة لعملية ” السلام الاقتصادي “.

يراهن الاميركان هذه المرة على انهاء الصراع من منطلق التقارب الاسرائيلي – الخليجي بفعل فزاعة ايران والخطر الشيعي، من جهة، وملامسة الهم الاقتصادي لشعوب المنطقة، من جهة اخرى، بعد ان اخرجوا ملفي القدس واللاجئين من المعادلة تماما – القدس بالاعتراف الباطل بها عاصمة لدولة الكيان، واللاجئين بمساعي شطب الاونروا – لكن…

هذا الرهان الاميركي لن ينجح ابدا اذا لم يشعر اصحاب الحق والارض انهم استعادوا ولو جزءا يسيرا من حقوقهم ، مع تأكدهم ان الظروف العربية والدولية خذلتهم مرة اخرى ، لتبقى قضيتهم العادلة التي ضاعت زورا وبهتا، غصة يتجرعونها مع كل فجر جديد الى ان يشاء الله وتتبدل الاحوال .

*الكاتب – خبير اردني بالشؤون الاسرائيلية وناشر مدونة إسرائيل عن كثب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة