لا نمو دون فتح ملف الطاقة

بقلم سلامة الدرعاوي

حرير –

رغم كل الإجراءات والسياسات التي اتخذتها الحكومات في إطار تعاونها مع صندوق النقد الدولي إلا أن معدلات النمو بقيت في ادنى مستوياتها (1.9 بالمائة)، وهو ما يجعلنا نراقب ونبحث عن العوامل الرئيسة لتعزيز النمو.
المراجعة الأخيرة للحكومة مع صندوق النقد الدولي والتي تهدف إلى تأطير اتفاق تعاون جديد بين الجانبين للسنوات (2020-2022) كان ملف الطاقة حاضرا بقوة في مباحثات وزير المالية الدكتور محمد العسعس مع كبار المسؤولين في المؤسسة الدولية، وكان واضحاً أن هناك تفاهمات بين الجانبين وأن مسألة تحقيق نمو اقتصادي مستدام لا يمكن أن تتم دون الخوض في مَلف الطاقة وكلفها المرتفعة التي باتت تشكل تحديا رئيسا في بيئة الأعمال المحلية وقدرتها التنافسية.
ملف الطاقة لم يفتح بعد، والحكومة ما تزال تبحث عن مخرج قانوني لها مما وضعتها فيه الحكومات السابقة التي اضطرت في وقت انقطاع إمدادات الغاز المصري عن المملكة للجوء لتوقيع اتفاقيات شراء الكهرباء من الشركات الاستثمارية في قطاع الطاقة المتجددة باتفاقيات شراء طويلة الأمد (25 عاما) بأسعار عالية جداً وتفوق احتياجات الأردن المالية، مما يكلف الخزينة سنويا ما يقارب الـ 350 مليون دينار أثمانا تدفعها الخزينة للشركة مقابل كهرباء لا تحتاجها ولا تستطيع حتى استخدامها مع كل اسف.
طبعاً لكل اتفاقية طرفها الخاص والأسباب الموجبة التي دفعت إلى إبرامها في ذلك الوقت ولكن للأسف، ما تزال الأخطاء تتكرر في ذات القطاع، فالاتفاقيات توقع دون تحديد الاحتياجات الفعلية من الاستهلاك، وعدم التوجه نحو تنويع خليط توليد الطاقة الكهربائية أدت إلى ارتفاع أسعار الكهرباء المشتركة من شركة الكهرباء الوطنية، لتؤدي إلى زيادة الأعباء المالية والمديونية، آخرها اتفاقيات توليد الكهرباء من الصخر الزيتي بقدرة (450) ميجا واط وبسعر (105) فلسات لـ(كيلو واط)، والتي ستبدأ أعمالها الإنتاجية بمرحلتين منتصف وآخر العام الجاري، مما يعني أننا وقعنا بنفس أخطاء اتفاقيات الشراء السابقة مع الشركات المستثمرة في الطاقة المتجددة، مما يعني أن الخزينة ستدفع ما يقارب الـ400 مليون دينار سنويا للشركة المستثمرة في الصخر الزيتي مقابل ثمن كهرباء لن تستخدمها، مما شكل كابوسا حقيقيا على عجز الموازنة، فالخزينة كانت تدفع مع نهاية هذا العام ما يقارب الـ800 مليون دينار للشركات المستثمرة في الكهرباء والمرتبطة باتفاقيات شراء طويلة وبأسعار عالية، في حين لا تمتلك أي قدرة على تخفيض كلف الطاقة وأثمان الكهرباء على المواطنين أو المستهلكين من القطاع الخاص، ولا حتى بتخفيض كميات الطاقة المنتجة التي أصلا لا تستخدمها الحكومة.
أحسنت اللجنة المالية في مجلس النواب من خلال تقريرها الخاص بالموازنة بتوصية الحكومة بإجراء مراجعة اتفاقيات التوليد بما يحقق توازنا بين سعر الشراء من شركة الكهرباء الوطنية وكلف الإنتاج ونسب الأرباح لشركات التوليد.
لاشك أن عقبات قانونية كبيرة تقف أمام الحكومة في فتح ملفات هذه الاتفاقيات، لما الوضع الراهن والتحديات التي تعصف بالاقتصاد الوطني والجهود المبذولة لتحفيزه لن تحقق أهدافها طالما بقي هذا الملف دون دراسة عميقة وقانونية وشعبية له، فالقطاعات الاقتصادية ما تزال ترزح تحت وطأة فاتورة الطاقة المرتفعة التي تصل في بعض الأحيان إلى اكثر من 40 بالمائة من ملف الإنتاج، ناهيك عن أن المستهلك يدفع ثمن تعرفة كهربائية مرتفعة جداً وتؤثر على أمنه المعيشي.
فتح ملف الطاقة ومعالجة التشوهات في اتفاقيات الشراء من الشركات المولدة يعني أولى الخطوات الإصلاحية للاقتصاد الوطني ووضعه على سكة النمو المستدام وتعزيز تنافسية قطاعاته الإنتاجية المختلفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة