الأردن بين «الدولة» و«التيار»

بسام البدارين

حرير- مطالبة الدولة – أو الحكومة في الأردن بالتصرف بطريقة تشبه «الفصائل والتيارات والأحزاب» غير منصفة ولا منطقية ولا يمكنها في كل الأحوال تشكيل أساس جوهري يفضي لـ«حوار ما» منتج حتى إذا حسنت النوايا.

لا مصلحة إطلاقا للشعب الأردني بأن تنسحب مواقف الشارع الشعبوية أو انحيازاته ومشاعره على الدولة ومؤسساتها من حيث السلوك والموقف والتقدير.

وفي المقابل مطالبة الشعب وقواه الأساسية بالتصرف وفقا لمعايير «القطيع» يؤدي إلى «خسائر استراتيجية» تسحب من رصيد الدولة عند الناس خلافا لأن المزاج الشعبي يظهر في تجليات «ذكية» في الكثير من المفاصل قياسا بـ«نخب» تزعم التحدث باسم المؤسسات.

عندما يتعلق الأمر بالمقاربة الأفضل في مواجهة «مخاطر إسرائيل» تحديدا لابد من «احترام» كرامة ورأي الأردنيين وجمعهم وحشدهم بدلا من تفريقهم.

ولابد من تجنب تركهم وحدهم «ضحية» للإقصاء والتهميش أو للفلسفة التي تفترض بأن المطلوب فقط من الناس «التصفيق ثم التصفير ولاحقا التسحيج» فقط للناطقين الرسميين وغيرهم من المتبرعين.

ضرورة التصدي لتلك المقترحات البائسة التي لا تؤمن بوجود «شعب حي وقادر»ولديه «نبض» يبحث عن التقدير والاحترام لا بل عن «الاستثمار» أيضا.

الأردني- أي أردني- شاهد بأم عينيه كيف تنهار الدول والمؤسسات وتتشرد أو تجوع الشعوب في الجوار لأن «جهة ما» تصرفت في ميزان القوى الدولي والإقليمي وكأنها فصيل أو حزب أو تيار.

معلوم تماما أن «إيمان» الأردنيين عموما بـ«عملية السلام»، وبأي علاقة تطبيعية مع الكيان تجاوز المنطقة الصفرية ولا يمكن خصوصا بعد أحداث غزة الأخيرة والجرائم التي ارتكبها «الجار الشريك» ولا يتخيلها عقل بشري استعادة سمعة لا السلام ولا المعاهدة ولا التطبيع، مما يجعل العبء الأكبر على «الدولة ومطبخها» السياسي المركزي في مهمة الاستعداد للبدائل وللمقاربات التي توازن ما بين المشاعر والتقديرات من جهة وشبكة المصالح من جهة أخرى.

معلوم أيضا أن «يقين» الأردنيين اختل ويغيب لا بل يموت ببطء في عمق كل أدبيات مرحلة ما بعد توقيع اتفاقية وادي عربة التي لا تحمي الأمن ولم تعد تحمي لا الشعب ولا النظام ولا الحدود في الوطن الأردني.

لكن مثل تلك الوقائع والحقائق يتوجب أن لا تدفع القرار نحو وصفات «انتحار» أو مغامرات غير محسوبة أو «طريقة تصرف» تنتمي للتيارات والأحزاب والفصائل وليس لمطابخ الدول المؤسسية المسيسة حيث «خبرة» المؤسسة الأردنية هنا ودورها لا ينكرهما إلا «جاحد» أو موتور.

على نحو أو آخر ثبت بالوجه القاطع للأردنيين على الأقل مؤخرا بأن إسرائيل كيان يستحيل التعايش معه وثمة كلف في جواره أو التكيف معه، فيما ثبت بالمقابل بالوجه القاطع أن المؤسسات في الدولة «أكثر خبرة» وقدرة على اختيار وتصنيف دروب المصلحة والبقاء بعيدا عن المخاطر.

واحدة من تجليات يوم 7 أكتوبر في كل الأحوال أنه «كشف الحقيقة» للأردنيين حصرا وأنه- وهذا قد يصبح الأهم- ينتج حالة تحليلية تقول ضمنا وفي السياق بأن الدول ومؤسساتها لديها «تقدير موقف» وبنية معلومات لا تملك الفصائل ولا التيارات ولا الأحزاب حتى وإن كانت دوافعها وطنية ونبيلة التوصل أو الوصول إليها. لذلك انتقاد الحكومة والضغط عليها «واجب» أحيانا.

لكن مطالبتها بتجاهل تقديراتها المؤسسية لطبيعة الكيان وصنفية تحالفاته وفهم دوره الحقيقي بالنسبة لقوى الغرب في المنطقة أقرب إلى صيغة «مجازفة» تخلو من الحكمة والتروي والتعقل لأن «النجاة» اليوم وسط إقليم مضطرب تماما وسيناريوهات فيها سيولة استراتيجية واجب المؤسسات وليس الشارع وتعبيراته، ولأن تلك النجاة قد تكون العنوان الأبرز للعبقرية أحيانا.

لابد بعد أكثر من عامين فيهما دسم إضافي من المجازفات من توقف إصرار البعض في عمان على مطالبة الحكومة بالتصرف وكأنها فصيل «مقاومة» أو جناح ملحق بـ«محور» ما وإن كانت سلسلة عميقة من «المراجعات الرسمية» مطلوبة وبإلحاح لحساب المخاسر والمكاسب جراء 30 عاما من «الخضوع» لمتطلبات وأحيانا «إملاءات» ما كان يسمى بالسلام وحصرا على الطريقة الأمريكية.

ارتكبت «أخطاء فادحة» بالتأكيد تحت بند «التطبيع» خصوصا في المياه والغاز والثقة المطلقة بتوفر آليات عقيدة بيروقراطية تؤمن بالتنسيق والشراكة مع كيان تحول إلى «عصابة إجرامية إرهابية» تهدد الأردني الآن قبل الفلسطيني.

لكن مجددا معالجة تلك الأخطاء بخطابات ارتجالية مجازفة ليست الحل الصحيح وعلى المجتهدين وهم كثر ترك مساحة مناورة أمام الدولة وخياراتها فيما على الدولة أن تترك بالمقابل «مساحة حرة» ناضجة للتعبيرات الشعبية والعمل على إدخال موقف ومشاعر الشعب في صناعة القرار تمهيدا للاستثمار في سلاح فتاك اسمه «موقف الشعب الأردني».

تعجبني مقولة الفاضل الرئيس فيصل الفايز وهو يقول: «الشعب الأردني مسالم…يحب السلام… لا يستطيع إعلان الحرب على إسرائيل لكنه يستطيع حتما وحكما الدفاع عن نفسه وترابه ووطنه».

تلك مقولة الالتزام بجوهرها تتطلب إجراءات لا تقف عند حدود «شيطنة» الشعب والشارع وحاضنة المقاومة والتيار الإسلامي فقط بين الحين والآخر من جهة أقلام مغامرة تريد استفزاز الشعب فقط دون قراءة «المخاطر» التي تحرك الناس بعد رؤية الأطفال يطحنون ويتم إعدامهم مع النساء.

مقالات ذات صلة