نجوع معًا أو نشبع معًا»: ما تعجز حكومة غير منتخبة عن فهمه

حرير – منذ سنوات عديدة، لم تشغل قضيةٌ مطلبيةٌ الفضاءَ العام كما شغلته قضية إضراب المعلمين المستمر في أسبوعه الرابع، والذي أصبح على الأغلب أطول إضراب عن العمل في تاريخ الأردن. ففضلًا عن أن الإضراب مسّ الترتيب اليومي الاعتيادي لمعظم أسر الأردن التي لم ترسل أبناءها وبناتها إلى المدارس منذ حزيران، باتت قضية المعلمين ممثلةً لشعورٍ عامٍ بأنه لم يعد بالإمكان الاستمرار في إدارة موارد البلد كما أديرت في العقدين الأخيرين.

هذه القضية التي أخذت، ظاهريًا على الأقل، شكل مواجهة ندية بين الحكومة ونقابة المعلمين، تعكس الكثير عن تكوين الطرفين ودوافعهما وقواعدهما، ورغم أن التضامن الشعبي الواسع ليس تعاطفًا مع النقابة فقط، بل إدراكٌ لتلاقي المصالح معها، فقد أسهم أداء نقابة المعلمين في رفع هذا التضامن. ولا نبالغ في القول إن هذا الأداء هو الأصلب والأشد التزامًا في تاريخ النقابات الأردنية منذ رفع الأحكام العرفية عام 1989، بعد عقود دُفع فيها العمل الحزبي والنقابي إلى الغرف المغلقة.

في التصريحات الحكومية -الكثيرة- في اليومين الأخيرين، ومنها ما جاء في لقاء متلفز مع الرزاز وفي مؤتمر صحفي له ولعدد من وزرائه، أكدت الحكومة مرارًا أن النقابة متعنتة في مطالبها، وأن الحكومة قدمت مقترحات للحل، أهمها العلاوة المقترحة على نظام الرتب، التي تتراوح قيمتها بين 24 و31 دينارًا، وفي المقابل لم تقدم النقابة شيئًا سوى المزيد من التمسك بمطلبيْها؛ الاعتذار والاعتراف بعلاوة الـ50%.

تقول الحكومة إن النقابة تتعامل مع القضية بوصفها معركة كسر عظم، وإنه لا يجوز لهذا الجسم الاستقواء عليها. يعكس ذلك أن الحكومة ترفض الاعتراف بأن النقابة قوية بالفعل، أو ترفض القبول بذلك. كما ترفض أن تدرك أن هذه القوة لا تنبع من عناد نائب النقيب أو الناطق باسم النقابة، ولا من تكوين مجلسها كله، بل من كونها حملت مطلبًا يجمع عليه منتسبوها ووضعته جبرًا على أجندة الحكومة، كما يفترض بالنقابات الممثِّلة أن تفعل.

حين يفسِّر صلابةَ موقف النقابة بالعناد، يتناسى الرزاز أن النقابة تنطق باسم قواعد عريضة عبرت وتعبر عن دعمها لمجلسها والتزامها بقراره. ويتجاهل أن المجلس اليوم لن يجرؤ على فك الإضراب دون تحقيق مطالبه، كما يقول أحد المعلمين. فمن يأتي إلى السلطة -أي سلطة- بأصوات الناس من أجل تمثيلهم يدرك تمامًا أن التراجع عن مطالبهم في هذه المرحلة هو انتحار سياسي. هذا أمر لن تفهمه حكومات تأتي رغمًا عن الشعب، لا منه.

لذا، فإن التلويح بحل النقابة وملاحقة مجلسها قانونيًا هو تهديد لم يعد ممكنًا تنفيذه، فالنقابة ليست وليدة شرعية شعبية حاربها النظام لعقود فحسب، بل أن مجلسها المنتخب والممثَّل لعشرات الآلاف اكتسب قوة لم يكتسبها أي جسم منظم منذ سنوات؛ قوة تجبر العديد من النقابات واللجان والتيارات على التبرؤ من موقف مجلس النقباء المهنيينالمنحاز للحكومة، فضلًا عن الدعم الواسع للإضراب من المواطنين والمواطنات بشكل مباشر أو غير مباشر.

مع المعلم، ولكن

فعلت الحكومة تقريبًا كل ما هو ممكن لتأليب الرأي العام على المعلمين. فحاولت شق صف الجسم التربوي بمخاطبة المعلمين بشكل مباشر ومنحهم علاوة دون اتفاق مع النقابة، وهددت ومعاقبة بعضهم بالنقل أو الخصم من الراتب، واستخدمت الطلبة للضغط على المعلمين، وهددت باستدعاء معلمي الإضافي كبدلاء ودعت الأهالي عبر شتى القنوات لإرسال أولادهم للمدارس. لكن كل ذلك فشل بشكل شبه تام، إن لم يرتد سلبًا. فحتى لو سلمنا بما تنقله وزارة التربية والتعليم من أن 71,758 طالبًا وطالبة انتظموا في صفوفهم اليوم، فهذا الرقم يبلغ خمسة بالمئة من إجمالي عدد طلاب الوزارة البالغ عددهم قرابة مليون و379 ألفًا.

غالبية الأهالي يدركون، سواء من باب التضامن أم الواقعية، أن الجهة الوحيدة التي تملك قرار فك الإضراب هي النقابة. ويدركون في الوقت نفسه أن السبيل الأقصر لإعادة أبنائهم وبناتهم إلى المدارس هو الضغط على الحكومة لتقديم حل يرضي لا مساومة النقابة على مطلبها.

يدرك الأهالي أن السبيل الأقصر لإعادة أبنائهم وبناتهم إلى المدارس هو الضغط على الحكومة لتقديم حل يرضي النقابة، لا مساومة النقابة على مطلبها.

لذلك أيضًا فشلت الحجة التي نشرتها الدولة، تحت شعار العقلانية، عبر وسائطها من نواب ووزراء سابقين وإعلاميين، ومفادها أنه بالإمكان أن تكون مع المعلم لكن ضد الإضراب. فالشرط الأول للتضامن هو أن يتبنى المتضامِن مطالب من يتضامن معه، لا أن يفاوضه عليها، فيتحول إلى شريك لخصمه.

هؤلاء المتضامنون بشروط لم يوافقوا ربما على مطلب العلاوة، لكنهم قد لا يختلفون على مطلب الاعتذار، وهم يعترفون من البداية أن الحكومة أخطأت في التعامل مع الاعتصام. لكنهم، في مقابل الضغط على النقابة للتنازل عن العلاوة، لم يضغطوا على الحكومة للاعتذار.

أن تكونَ مع المعلم يعني أن تكون مع ما يريده المعلم. فهو يرفض أن يكون ميسّر أعمال، يداوم لتنظيم عملية إدارية يومية هدفها إبقاء الأطفال بعيدًا عن الشوارع، ولا ينال لقاءها ما يتيح له الحياة الكريمة والقدرة على تقديم تعليم مناسب.

«قارب واحد»؟

دفعت النقابة خطاب العدالة الاجتماعية إلى الواجهة، بشكل غير مسبوق إلى حد كبير، بعد أن غاب هذا الخطاب أو هُمّش في الأجسام النقابية والحزبية. فحتى خلال مظاهرات الدوار الرابع في حزيران 2018، غطى عنوان التراجع عن قانون ضريبة الدخل، الذي رفعته النقابات المهنية، على المطالب المتعلقة بتخفيض ضريبة المبيعات وأسعار الكهرباء، وإعادة الدعم للمحروقات والخبز، ورفع الحد الأدنى للأجور.

لعل أوضح تمثيل لهذا الخطاب كان العبارة التي كررها نائب النقيب، ناصر النواصرة؛ «نجوع معًا أو نشبع معًا». حملت العبارة رسالتين؛ للحكومة وللعامة. الأولى هي في الجوهر رسالة للطبقة الحاكمة ومنتفعيها، لا لفريق وزاري فحسب، مفادها أنه لم يعد مسموحًا أن تستمر هذه الدرجة من التفاوت الاجتماعي في دولة تشدّ الحزام حول بطون مواطنيها بدعوى قلة الموارد، وتتصاعد مديونيتها عامًا بعد عام. أما الثانية فهي دعوة للمجتمع لتحمل مسؤوليته في الدفاع عن نفسه، وأول خطوة في سبيل ذلك هي الالتفاف حول المعلمين.

تذكّرنا الحكومة بلغة الأب الحكيم أننا في «قارب واحد»، وأن الخاسر في معادلة الإضراب هو الوطن. وفي الوقت نفسه، ما تزال تتنصل من مسؤوليتها في ما آلت إليه هذه الأزمة وما ستؤول إليه في حالة استمرارها، وتتجاهل حتى الآن ما حدث في اعتصام 5 أيلول، ودوره في إهانة المعلمين والمعلمات وخلق الخصومة معهم. في المقابل، يعيد المعلمون والمعلمات تعريف الوطن على أساس المساواة والعدالة، رافضين أن تتحول الشعارات الوطنية إلى أداة لكتم أصواتهم المطالبة بحياة ومستقبل أفضل.

يدرك المعلمون والمعلمات أن تحسين أجورهم ضروري، لا لتحسين أداءهم فحسب، بل للحفاظ على كرامتهم أيضًا. صحيحٌ أنهم يطالبون باعتذار على الإهانة التي تعرضوا لها خلال الاعتصام، لكن الكرامة بالنسبة لهم تعني أيضًا غياب الفقر، رغم ما يسمعونه ممن لا يشبهونهم من أن الفقر شيء وغياب الكرامة شيء آخر. خلال وقفة أمام مديرية تربية وتعليم لواء ماركا، احتجاجًا على قرار نقل معلمات مضربات عقابًا لهم، يقف أحد المضربين ليقول: «صارلي مدير مدرسة 15 سنة، راتبي 650 ليرة. والله وطز. والله ابنك شو بيشتغل؟ قال والله أستاذ. والله لو إنه فتحله بسطة علكة أحسن ليه». هذا الاستهزاء بالنفس يعكس إدراكًا تامًا لحقيقة أن الفقر أول مسبب لامتهان كرامة الإنسان، ولن ينفع معه التمسك بشعارات فارغة حول مكانة المعلم حين يشعر هو نفسه بالإهانة على مستوى مادي ويومي.

انتصار للجميع

هناك شعور عام ووعي جمعي بأن المعلم يجب أن ينتصر، من أجله ومن أجل الآخرين، لتثبيت فكرة أنه إن استطاع هذا القطاع الوقوف في وجه مسار ممتد من ثلاثة عقود، فإن قطاعات أخرى تستطيع أن تفعل ذلك، وإنه بالإمكان الوقوف في وجه أصحاب هذا النهج وممثليه المحليين والدوليين وعرقلة مشروعهم، بكلفة أقل من كلفة أشكال أخرى من التغيير.

هذه معركة سياسية بامتياز، تقودها فئة ذات مطالب مهنية، ويدعمها عدد كبير من الناس، وعنوانها «استعادة مؤسسات الدولة». من هنا يُفهم التأكيد على رفض تدخل أكاديمية الملكة رانيا في مسار العملية التعليمية في البلاد، فهذا مطلب سياسي يعبر عن رفض تفكيك مؤسسات الدولة وإفقاد القائمين عليها قيمتهم وأمنهم الاجتماعي. وأحد أهم سبل هذا التفكيك هو إنشاء الهيئات المستقلة الموازية لمؤسسات حكومية، بشكل امتص موارد هذه المؤسسات وكوادرها، في حين تعمل الهيئات الموازية في عالمها الخاص إداريًا، الذي يؤمّن شكلًا محتكرًا من الخصخصة، ولا يخضع للرقابة المفروضة نظريًا على الأقل على الوزارات.

لقد أضعف نهجُ تفكيك المؤسسات الحكومية والتضييق على الفضاء العام قدرةَ المعلمين وغيرهم على تنظيم أنفسهم. فطبيعة التعامل مع هذا الإضراب هي امتداد لعقود من التضييق على العمل النقابي، بشكل أفرغ العديد من النقابات من معناها، خاصة العمالية منها. فبحسب تقريرحول حرية التنظيم النقابي لعام 2018، ظل عدد النقابات العمالية المعترف بها ثابتًا عند 17 نقابة من أربعة عقود، مقابل منح أصحاب الأعمال كامل الحرية في التنظيم، فلهم اليوم ما يقارب 100 منظمة، من غرف تجارية وصناعية، ونقابات، وجمعيات أصحاب عمل.

لا تتجاوز عضوية النقابات العمالية جميعها 80 ألف منتسب من أصل ما يقارب مليون ونصف عامل وعاملة، خاصة بعدما أصبح الاتحاد العام للنقابات العمالية مؤسسة شبه حكومية. كما أن الغالبية الكبرى من النقابات لم تجرِ فيها انتخابات داخلية ديمقراطية منذ سنوات طويلة، فمن أصل 17 نقابة عمالية، هنالك 15 نقيبًا غير منتخب، و14 هيئة إدارية غير منتخبة. ومقابل هذا كله، تأتي نقابة منتخبة، انتُزع الحق بتأسيسها انتزاعًا، لتقول إنها ترفض أن تكون مجرد ديكور يشرعن سردية السلطة عن نفسها، وصورتها الديمقراطية المزعومة.

كلفة فك الإضراب دون إنجازات ستكون باهظة على الجميع، هذا ما تدركه النقابات والأحزاب التي خرجت ببيانات مساندة للإضراب. عّبر نقيب المهندسين، أحمد سمارة الزعبي، عن ذلك بوضوح أمس بالقول: «ممنوع يرجع المعلم منكسر إلى غرفة الصف. وإذا انهزم المعلم -لا سمح الله- سننهزم جميعًا. أنتم لستم وحدكم».

تدرك غالبية المجتمع أن لديها استثمارًا شخصيًا في انتصار المعلمين، وأن هزيمتهم ستجرّ المزيد من التجبّر والتعالي على أي مطالب شعبية مقبلة، وستقوّي شوكة السلطة في التضييق على مختلف أشكال الاحتجاجات، وعلى الحياة السياسية بعامة. هذا ما يمنح إضراب المعلمين شرعيته الشعبية الوطنية، وهو كذلك ما يسحب هذه الشرعية عن حكومة بدأ على الأرجح البحث عن بديل لها.

عن حبر بقلم شاكر جرار ، دعاء علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة