معلمو الأردن ومسار تشكل الكتلة التاريخية

حرير – مضى أسبوعان على بدء حراك المعلمين في المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم الأردنية، للمطالبة بحقوقهم المالية (علاوة 50%)، وشل إضراب عام قطاع التعليم بنسبة 100%، ما فتح المجال العام لنقاش وطني عام يطاول كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والمعيشية. ذلك أن المعلم الأردني يخوض معركته منذ مطلع العقد الحالي، انطلاقا من حق العاملين في قطاع التعليم بالحصول على نقابة تمثلهم بعد نحو 60 عاما من تأسيس أول نقابة للمعلمين الأردنيين في مطلع خمسينيات القرن الماضي، إلا أنها ما لبثت أن اجتاحها قرار الحل في عام 1956، شأن بقية النقابات المهنية، في وقتٍ جرى فيه حل الأحزاب السياسية، وحظر أنشطتها ليصار إلى تأسيس النقابة من جديد في العام 2011.
تمكّن المعلم الأردني من إحداث اختراق على مستوى الحقوق العمالية، بعد سلسلة من المطالبات والإضرابات، كان آخرها عام 2014، والتي تم الاتفاق حينها مع مجلس النواب على منح المعلمين علاوة قدرها 50% من الراتب الأساسي، إلا أن الحكومة لم تعترف بهذا الاتفاق. وهي تعتذر عن الاستجابة لطلب المعلم، بدعوى أن الأوضاع الاقتصادية للبلاد تمر بظروف صعبة، حيث عمم رئيس الوزراء، عمر الرزاز، بالتزامن مع الإضراب بوقف كل النفقات الرأسمالية الحكومية، بالإضافة إلى خشية الحكومة أن تعمد نقابات أخرى إلى المطالبة بالمطالب المالية نفسها التي يطالب بها المعلمون في حالة إجابتها.
هذا على الصعيد الإجرائي، إلا أن جوهر عملية الصراع التي تقف خلف هذه المطالبات  والإضرابات والتعنت الحكومي يمكن إرجاعه إلى صراع بين تيار الليبرالية والتيار الوطني داخل جسم الدولة الأردنية، حيث يشكل 120 ألف معلم نحو ثلث العاملين في الإدارة العامة الأردنية. وفي محاولة لفهم هذا الصراع بشكله الأيديولوجي العميق، لا بد من الإشارة إلى أن النيوليبرالية ترتكز في جوهرها على التحول الأيديولوجي في طبيعة الدولة من تلك التي تضمن مسؤوليتها التوظيف الكامل وحماية مواطنيها من مقتضيات السوق، إلى مسؤوليتها عن التأكيد على المسؤولية الفردية وحماية السوق نفسه، وتتكون السردية النيوليبرالية من بناء أيديولوجي مركزي، الفردانية المفرطة، حيث يكمن موضع السيطرة في ممارسة الفرد للفعالية من خلال عمليات السوق الحر. ولا يمثل هذا البناء الأيديولوجي البسيط فقط التحول من التركيز من المجتمع إلى الفرد، ولكن أيضا ينكر الطبيعة الاجتماعية الجوهرية للبشر، الفردانية المفرطة التي تعترف فقط بالفعل الفردي، والمسؤولية الفردية تعطي التبرير الجوهري للنيوليبرالية.
ويعلمنا مجاز المسؤولية الفردية بأن أولئك المحرومين، بشكل ما، أو الذين فشلوا في ظل نظام السوق، يستحقون ما هم عليه. بكلمات أخرى، الفقر هو مشكلة الفقراء أنفسهم، ومشكلة الفقراء أن يبقوا كذلك. في المقابل، يستحق الأثرياء ما هم عليه، بغض النظر عن الكيفية التي جمعوا بها ثرواتهم، ففي ظل أسطورة تساوي الفرص هذه، فكل فرد، بغض النظر عن البدايات والخلفيات، هو المسؤول عن نجاحه أو فشله، ففي ظل هذا المجتمع الذي فيه كل فرد قائم بذاته، تكتسب الدونية من خلال الافتقار إلى الجهد وعدم الرغبة في العمل، حيث المسؤولية الفردية مكوّن حاسم، وحيث يسلط الضوء على الدونية الفردية، بدل تسليطه على فشل النظام والظلم الناجم عنه.
استنادا إلى منطق النيوليبرالية السابق، تصر الحكومة على ما يسمى “المسار المهني”، وهو مسارٌ يسعى إلى منح العلاوات والحوافز للمتميزين في قطاع التربية، ويتم حرمان غير المتميزين، على أساس أن هؤلاء هم المسؤولون عن عدم تطوير أدواتهم وذواتهم، وهو ما ترفضه نقابة المعلمين التي تصرّ على عدم الاعتراف بهذا المسار، وتصر على أحقية كامل المعلمين بالعلاوات الفنية التي تم الوعد بها سابقا، وهو ما يكشف حجم التناقض بين مسارين محافظ ونيوليبرالي.
في موازاة الصراع الذي يعتمل بين المعلمين والحكومة، دخلت المؤسسات الأهلية، وتحديدا المساجد، على خط هذا الصراع، وهو ما يكشف حالة تفلّت غير مسبوقة، حيث تمكّنت السلطة عبر عقود من إحكام قبضتها على أهم المؤسسات الأهلية على الإطلاق، من خلال احتكار المنابر التي كانت تعمل على تزييف وعي الجمهور، وتدفع النقاش، عبر تلك المنابر، بما يخدم السلطة، من خلال تذكير الناس بوعد الآخرة، ودعوتهم إلى الصبر على البلاء، في انتظار النعيم الأبدي، والعمل على تحميل الناس مسؤولية تردّي أحوالهم، ودعوتهم إلى السلوك القويم، غير أن منبر رسول الله اليوم تحول إلى منبر وطني سياسي توعوي، متجاوزا الخط الرسمي وخطابه ومشروعه، وذلك عبر إعلان خطباء جمعة عديدين وقوفهم إلى جانب المعلمين ومطالبهم المشروعة.
يساهم هذا التلاقي بين المعلم وخطباء المساجد في كسر مسار توظيف المعلم والمدرسة تاريخيا في تنميط تفكير الطلاب ومرتادي المساجد، ودفع جمهورهم إلى البقاء أسرى لرؤية النظام السياسي ومشروعه، ولعل الخنوع والانصياع من أهم الأدوات التي أوجدت جوهر الوعي المزيف الذي كرس السلطة المطلقة، وعزّز حضورها الطاغي، استنادا لمسار الإذعان والتلقين.
نشهد اليوم مسار استعادة هذه المرافق الوطنية، ولعل أهم ما فيها أن المعلم يستعيد وعيه بذاته ووطنه وكذلك الطالب. أما الأهم فهو استعادة المسجد والمنبر، والذي يشكل جوهر شرعية الوضع القائم، ويقطع بشكل تاريخي مع الإسلام السياسي اللاوطني الذي كان يخدم البنية القائمة بشكل موارب.
وفي المسار الأكثر عمقا، يمكن الإشارة إلى أن حالة التضامن العامة من الشعب الأردني مع المعلمين تأتي رد فعل على إغلاق النظام السياسي الأفق أمام هذا الشعب، عبر تزوير إرادته وتحطيم مؤسسات الشعب، وهي البرلمان والإعلام والنقابات والأحزاب التي تحولت الى هياكل خاوية، حيث حصل البرلمان على نسبة ثقة من المواطنين تبلغ 21% والإعلام 32% والأحزاب 9.7%، في استطلاع للرأي أعده مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، ونشر في يونيو/ حزيران الماضي.
يلتف الشعب الأردني اليوم حول نقابة المعلمين، والتي شكلت، في جوهرها، نواة كتلة تاريخية صلبة عصية على التفتيت والاختراق والتوظيف. ويمثل جوهر الموقف العام من النقابة محاولة للرد على المسار النيوليبرالي الذي أفقر الناس، ومحاولةً لتجاوز البنى التاريخية من أحزاب وبرلمان وصحافة، من خلال إعادة صياغة معادلة الحكم في الأردن نحو تحول ديمقراطي عميق، يؤسس لشكل حكم جديد، متجاوزا حقبة السلطة المطلقة، وتهميش الأردنيين وتهشيم مؤسسات الدولة.
منصور معلا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة