تخيل يا جواد أن ابن مسؤول كبير يقف على باب سفارة خفيرا

…. استشهد برتبة عريف ، ولكنه ترك أثرا أكبر من أثر كلية أركان كاملة …أكبر من أثر مارشالات وألوية وكتائب .

 

المهم أنا أتابع تشييع جثمانك يا جواد في بلدة المشيرفة ، شاهدت الصحراء التي ولدت على رملها والبيوت ووجوه الناس ، حتما لايوجد في بلدتك برك للسباحة ولامنازل من الكرميد ، لايوجد أيضا أشجار نخيل مزروعة على أبواب القصور الفارهة ..أصلا لايوجد قصور قبرك هو القصر ، لايوجد(سيتي مول) ..أو (مكة مول) ، في المشيرفة اكتشفت أيضا أن الكل يمتلك (بكمات) …ومسجدكم صغير جدا ، لكن نبلكم كبير .

 

من هم على شاكلتنا وظيفتهم منح الدم ، ومن هم على شاكلة الكرميد والسيراميك في برك السباحة ، ومن هم على شاكلة النخل والأبواب العالية وخشب الصندل الذي يطرز الفلل الفاخرة وظيفتهم الترحم علينا .

 

تخيل يا جواد أن ابن مسؤول كبير مثلا يقف على باب سفارة خفيرا ، تخيل أن ابن سفير في أوروبا وظيفته سائق دورية نجدة ، تخيل أن ابن وزير يعمل في السلك الدبلوماسي بوظيفة (فني سلاح) …نحن ربع الخفارات يا جواد.. (الخفارات) التي عاش أهلنا وهم يمارسونها دفاعا عن لقمة الخبز والبلد والحب والعودة للقرى .

 

يا جواد يا ابن دمي يا ابن الخطى المتعبة ، لقد غدرك ذاك (الخنزير ) البشري أنا أعرف ..لو أنه واجهك كند وكرجل لرجل ، لطحنت فكه بالفك ولأمطرته برصاصك النبيل ، لكن دمك استفز رفيقك الذي هجم عليه كالأسد واسقطه …وجعله يعرف معنى بسالة (عيالنا) ومعنى أن تكون جنديا ….

 

سندفنك اليوم ، والتراب في قبرك رطب جدا ..لا عليك هي المشيرفة وحدها التي ستمنحك الدفء ، وغدا صباحا ستأتي بعض الحساسين لتغرد فوق قبرك ، ستأتي أمك لتروي تراب القبر عل الماء يصل لريقك العذب وستذرف عليك الدمع حارا مؤلما ، ولكن من قبرك ارسل لها قبلة على اليد ..سيأتي رفاق الصف ويقفون جميعا على قبرك ، سيتذكرون أيامك والهوى وشقاوة الأطفال على جدران القرية ، هم سيذرفون الدمع عليك أيضا فارسل لهم من مستقرك الأخير يا جواد نظرة وفاء لزمن كان زمنك ، لكنه اختطف .

 

سيأتي الجواهري من قبره ليقرأ عليك قصيدة كتبها حزنا على قتل أخيه جعفر، لقد قرأت القصيدة وأنا في الجامعة ومطلعها يقول : ( أتعلم أم أنت لا تعلم …..أن دماء الضحايا فم) ، ابتسم للجواهري يا فتى الصحراء ، واعلم أن دمك الذي مسحوه من باب السفارة سينطق يوما ،سيكون له لغة وحجة وبيان …لماذا أزالوا دمك ؟ كان يجب أن يبقى ويوضع عليه سياج فدمك كان ربما سيقرأ بيانا على الأمة فجرا .

 

وغدا حين يغادر الكل … سيأتيك السلام من جعفر الطيار ومن خالد ومن زيد ، وسيخبرونك عن درب السيف ودرب الشهادة ، سيأتيك السلام الحار منهم من تراب الكرك ومن مؤتة ، إن كل شهيد يسقط على تراب وطني يحتفل به جعفر الطيار ويقرأ من أرض مؤتة عليه الفاتحة …ويرسل روحه الطاهرة لتقابل وتحتضن روح ذاك الشهيد .

 

وسيأتيك السلام من كبد حمزة ابن عبدالمطلب ، أتدري يا جواد حين لاكت هند بنت عتبة كبد الشهيد المطهر النقي حمزة ، أتدري أن كبده تحول فيما بعد إلى رماح وسيوف ورايات تؤسس لفتح إسلامي ولمجد عظيم ، نحن يا جواد أرضنا سار عليها كل الأولياء الصالحين ، ودفن فيها صحابة رسول الله ..ومعارك التوحيد الكبرى كلها اندلعت عليها ، فكيف لايرثيك حمزة بن عبدالمطلب ذاته ، وكيف لايحضر (أبو عبيدة عامر بن الجراح) الجنازة وهو من يسجيك في المستقر الأخير والأبدي .

 

لقد اخترت أن تكون من صف الشعب لا من صف الفلل والقصور الفخمة ، ولذلك شيخ الفقراء ونصيرهم (ابو ذر الغفاري) هو الاخر سيأتيك ممتطيا صهوة المدى ..وسيخبرك أن دمك من رماح الله ، وأن وجهك الأغن الطاهر من المسك والعنبر قد جبل ، سيقول لك (ابو ذر الغفاري) ..إن الوطن منفى والمنفى وطن وسيقرأ عليك بيانا حساسا وحاسما ، سيخبرك أنك أسست في الأردن فصلا وبابا جديدا للشعب وهو أن الفقراء وحدهم من يدفعون الدم .

 

وصفي التل سيمر عليك ، سيهديك شماغه والعقال ، وصفي يعرف أن برد الصحراء يؤلم العظم …فاحتفظ بشماغ وصفي وقل لأبي مصطفى : أن يظل يزورك فهو من أسس للأردني شخصية مستقلة شرسة حادة ومقاتلة ، هو من أسس للبلد الروح والنهج والمسار ..سيمسح محياك وتاكد أن نظرته لك هي نظرة الوالد لابنه ..فاحتضن وصفي يا فتى المشيرفة ، إن أجمل شيء في العمر هو أن يحتضن الدم دما ..وأن يحتضن الشهيد شهيدا .

 

وصالح شويعر سيزورك أيضا ،وفي الليل قد تتسامرون ويخبرك عن معركة وادي التفاح ، وعن الأردني حين يواجه المنايا ويقرر الشهادة …ويقلب للعالم ظهر المجن .

 

نم يا فتى المشيرفة ، نم يا حبيبي .

أنت أطلقت السؤال في شهادتك ، لقد جعلت الشعب كاملا يأتي إلى بلدتك (المشيرفة) وضعتها على خارطة المدن ، كأنك رحلت بها إلى النجم ..وأنت علمت الشباب أن الإستثمار لايبنى في ( البزنس بارك) ..على موائد (الكروسان) والقهوة الأمريكية ، والشركات الناشئة ، علمت الشباب أن الإستثمار الحقيقي هو في الدم والسلاح ، دمنا هو الرابح دوما والسلاح هو الرصيد …والوطن في لحظة يحتاج لمن يضحي وليس لمن يربح .

 

نم يا حبيبي ..نم قرير العين .

واعلم أنك الان مع الكبار ، اعلم أيضا أنك سجلت اسمك في كتاب الشرف والعظماء ، واعرف يا جواد ..أن العلم الذي تلقيته في المشيرفة والمرتبط بالرجولة والفداء والتضحية ،لا تقدمه هارفارد ولا جورج تاون ..المشيرفة وحدها هي من تؤسس جامعات للدم ، ومعاهد للفداء ..

سلمت وعاش الأردن

وعاش الملك

عبدالهادي راجي

مقالات ذات صلة