
كل هذا الصمت عن تجويع غزّة
جورج كعدي
حرير- يمرّ قتل الشعب الفلسطيني في غزّة بالتجويع الصامت البطيء السادي وسط صمت عربي وعالمي يتّسم باللامبالاة وانعدام الشعور الإنسانيّ، إن لم نقل بالتواطؤ، وفي ظلّ حصار إسرائيليّ مطبق يهندسُ تجويع الغزّيين ويتفنّن به ويتلذّذ بساديّة منقطعة النظير. نحن يا ناس، يا عالم، أمام أطفال يشتهون لقمة خبز ووجبة طعام واحدة في اليوم، وعُجّز جفّت حلوقهم من قطرة ماء، ونساء حوامل لا يصل غذاء إلى أجنتهنّ، ورجال يائسين هائمين على وجوههم لا يعرفون كيف يوفّرون قوتاً لعائلاتهم التي يقاسمونها القهر والجوع وانعدام أبسط مقوّمات العيش لكائن بشريّ مهدور القيمة والكرامة، منسيّ من الجميع، فيا للعار!
لا جوع، لا قهر، لا ذلّ، يضاهي ما يكابده الإنسان الغزّي في العالم كله، حتى في بقاع الحروب القائمة حيث لا ضيق مساحة كمساحته الصغيرة، ولا حصار جغرافيّاً من كلّ الجهات كما هي حاله، كأنّه في المكان المقفل موضوع تجارب تحت سيطرة سجّان فاشي يتمتع برؤية بشر يتألمون ويبيتون في العراء، داخل جحيم أرضيّ أنشأه بطائراته المدمّرة فجعله أنقاضاً وخراباً، مانعاً دخول الغذاء والماء والدواء، مقتدياً الأسلوب النازيّ الذي يتماهى معه ويقلّده، ولو استجاب لمطلب سيّده الأميركي، تلافياً للفضيحة المدوية، فوافق على إدخال شاحنات مساعدات، إلّا أنّها سرعان ما تتحوّل إلى “لعبة” إضافية بيده، مخفّضاً نسبتها، تارَةً إلى النصف، وتارَةً أخرى إلى الثلث كما هو حاصل اليوم، أي بنقص 150 ألف شاحنة، وهذا رقم هائل كفيل بنسف اتفاق المساعدات المقرّ بإشراف دولي. لا يمكن وصف ذلك إلا بالتفنّن الفاشيّ الساديّ بتجويع نحو مليوني إنسان ما برحوا موجودين في حيّز ضيّق من القطاع المدمّر والمحاصر والمقضوم الأرض، خاصة المساحات الزراعية التي كانت توفّر بعض المنتجات لأهل غزّة.
غزّة اليوم، ومنذ أعوام ثلاثة على التوالي، حقل تجارب للوحش المحتلّ، يتلاعب بسبل بقائها وأبسط مقوّمات عيش أبنائها المتألّمين، المقهورين أيّما قهر، والأدهى أن السلع تباعُ، وسط البؤس العميم، بأثمان باهظة، ولا مال بيد الغزّيين ولا قدرات، بينما يُفترض أن يكون ما يدخل إلى القطاع، إذا سُمح بدخوله، مساعدةً وهبةً للشعب المنكوب وليس مادّة للبيع والشراء. المساعدات في أزمنة الحروب في العادة حصص غذائية تُقدّم للعائلات، وليست سلعاً تُعرض في الشوارع وعلى العربات للبيع والشراء! غزّة في حاجة إلى الغذاء والماء والدواء وخيم الإيواء مجاناً. هذا واجب عربيّ وعالميّ ينبغي أن يتاح وصوله إلى شعب غزة غصباً عن المحتل وداعميه. فلماذا لا يكون الصوت أعلى، مزلزلاً، بكسر هذا الصمت المريب الذي يبدو شريكاً في الإبادة التجويعية، من حيث يدري أصحابه أو لا يدرون. ثمة أمر طارئ في غزة يستدعي التحرك السريع والمتابعة اليومية الحثيثة لإنقاذ شعب من الجوع والموت اليوميّ، الصامت والبطيء.
هل يحتاج العالم بعد إلى تذكير بقوانين الحروب التي تحرّم تجويع المدنيين واستخدامه سلاح حرب أو سلاح إبادة؟ حتى برنامج الأغذية العالميّ قلّص مساعداته الغذائية عوض أن يزيدها ويضاعفها! أما الباقي فلا يتعدّى الخطب والكلام الفارغ و”القلق البالغ”، بينما على أرض الواقع في غزّة: الخبز كنز مفقود والطعام أمنية وحليب الأطفال وعد مستحيل؛ فبمَ يفيد “القلق البالغ” الذي ينطق به العالم المنافق. منذ عام 2023 أعلنت منظمة هيومان رايتس الدولية أنّ المدعوّة “إسرائيل” تستخدم التجويع في حربها الإبادية ضد غزّة، وقد استهدفت المخابز والمطاحن والأراضي الزراعية ضمن فعلها التجويعيّ المكشوف والمعلن. كما أن الأمم المتحدة نفسها أعلنت رسمياً عبر تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائيّ (IPC) أنّ المجاعة هي واقع في قطاع غزّة. وأعلن الاتحاد الأوروبي بلسان ممثله السامي جوزيف بوريل أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم التجويع سلاح حرب. ووصفت بلجيكا رسمياً هذا التجويع بأنه جريمة حرب، وتحدّثت قطر عن “قطع الغذاء والدواء كسلاح حرب”، وأكدت إندونيسيا البلد الإسلامي الأكبر أن منع الغذاء عن المدنيين هو انتهاك للقانون الدولي، وتحدّثت روسيا عن كارثة إنسانية، ووصفت تركيا واقع الجوع في غزة بلسان رئيسها أردوغان أنه “تجويع جماعي”، ووصفت وزيرة خارجية بريطانيا السابقة، إيفيت كوبر، منع الاحتلال دخول الغذاء والدواء إلى غزّة بـ”العار الأخلاقي”، وأراه شخصياً الوصف الأقوى والأشدّ تعبيراً عن العار الدولي الذي نشهده في ما يخصّ تجويع شعب بأكمله، استكمالاً لإبادته الجسدية والمعنوية. لكن في ظلّ فقدان المعايير الإنسانية والقانونية والأخلاقية يخالطنا شعور باليأس من “العدالة الدولية” ومن إنسانية الإنسان، فما الفائدة مثلاً من اتفاقيات ومعاهدات وشرعات عالمية لا يطبّق منها حرف واحد، كاتفاقيات جنيف لعام 1949 مثلاً، وللبروتوكول الإضافي عام 1977، وفيهما تحظير لاستخدام التجويع من أساليب الحرب، خاصة ضد المدنيين؛ فهل من يبالي حقاً ومن يدعو إلى التطبيق، ويوظّف قدراته وثقله وحضوره لوقف المذبحة الجارية قتلاً وتجويعاً ورمياً لشعب في العراء؟ الموت موثّق والمجاعة مصوّرة لمجموعات الأطفال الجوعى الذين يمدّون أوعية الطعام الفارغة بأيديهم النحيلة علّهم ينالون ما يمسك الرمق، بعدما أكلوا العشب وشربوا مياه البحر شديدة الملوحة، فقط ليبقوا أحياء.
لا معاناة تشبه معاناة أهل غزّة ولا قهر يشبه قهرهم. قضية إخوتنا المتألّمين هناك، في قلوبنا، طارئة وملحّة لا تحتمل تسويفاً أو انتظاراً. يجب التحرّك الآن ونحن على أبواب الشتاء وعلى شفا فيضانات مائية سوف تُغرق العائلات في الخيم المهترئة والمشلّعة التي لا يُسمح بإدخال بدائل منها، فالخيمة ليست خطراً على المحتلّ، بل تحمي إنسان غزة من الموت الذي يريده له. يا عالم العار، بدءاً بعالمنا العربي، ارفعوا الصوت الآن، اليوم قبل الغد، وحاولوا فرض الحدّ الأدنى على المحتلّ وداعمه الأميركي، وعلى أصدقائكم وحلفائكم الأوروبيين وسواهم، من حتمية الاستجابة لإنقاذ الشعب في غزة، فقد فاقت آلامه ومأساته كل حدّ يتخيّله عقلٌ بشريّ.



