
الغرب يريد إنقاذ إسرائيل من نتنياهو
لميس أندوني
حرير- بالنسبة للفلسطينيين، بما في ذلك فلسطينيو أرض 1948، المعركة هي الحفاظ على أرض وشعب؛ إذ بغضّ النظر عن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية، وإنْ كانت مهمة، هي نضالٌ مستمر بشتى الوسائل لمنع المشروع الصهيوني من محو هوية أرض وشعب.
تأمل معظم الحكومات الغربية فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بنيامين نتنياهو، في إنقاذ تحالفه اليميني المتطرّف، والبقاء في الحكم بعد الانتخابات، إنقاذاً لمستقبل إسرائيل ولتجنبيهم خياراتٍ صعبة لمقاطعة إسرائيل، ووقف تسليحها، أي الخضوع لمطالب ثورة الرأي العام الممتدّة في الغرب وأميركا.
ليست خيارات دول الغرب سهلة، إذ قد تدفعها جرائم إسرائيل، ودفعت عدداً منها، إلى اتخاذ إجراءاتٍ غير مسبوقة. لكن فك الارتباط مع إسرائيل ليس قراراً سهلاً بالنسبة لبعض الدول الغربية، التي ما تزال ضمن منظومة استعمارية تقودها أميركا، ترى في إسرائيل مشروعاً استثمارياً ضرورياً لتوسيع أرباح صناعة الأسلحة الغربية، خصوصاً أن إسرائيل جعلت من الفلسطينيين مختبراً لتجربة آخر ما تنتجه هي والغرب من وسائل قتل وتدمير، لتطويرها أو على الأقل لترويج “نجاحاتها”.
لذا؛ تأمل دول غربية، باستثناء الإدارة الأميركية وبعض الأنظمة اليمينية من حلفاء إسرائيل، بتشكيل حكومة أقل تطرفاً وأكثر “تهذيباً” في تبرير عمليات التطهير العرقي وتوسع الاستيطان، أي عمليات “التهويد”، في كل أرجاء فلسطين التاريخية.
هذا ينطبق على موقف أو “أمل” عدد من مؤيدي إسرائيل وقيادات اللوبي الصهيوني، الذين يأملون أن تمكِّن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية الجديدة إسرائيل من إعادة إنتاج نفسها، أو إجراء عملية “تجميل” لها لإخفاء قبح المشروع الصهيوني الكولونيالي الاستيطاني التوسعي وعنصريته.
الفرق أن بعض الدول الغربية قد تأمل بأن حكومة إسرائيلية أقلّ تطرّفاً قد تخفف من معاناة الشعب الفلسطيني، بينما تخشى بعض اللوبيات الصهيونية أن يؤدّي بقاء نتنياهو إلى تدمير إسرائيل نفسها. فقد أعلن رئيس المجلس اليهودي العالمي، رون لودر، تخليه عن دعم نتنياهو، بعدما كشف أنه بدأ بمساندته وتمويله منذ منتصف الثمانينيات، وهو لم يكشف سراً لمتابعي نشاط الصهيونية وأدبياتها، أن الملياردير الأميركي، ابن مؤسِّسة “إستي لودر” لمستحضرات التجميل والعطور، كان ينظم حفلات عشاء سنوية لجمع التبرّعات للجيش الإسرائيلي ولدعم نتنياهو تحديداً، وقبله أرييل شارون، لكنه الآن يرى أن نتنياهو يدمّر إسرائيل.
حتى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو أهم معقل للصهيونية في العاصمة الأميركية، أصبح يعبر عن الخشية نفسها، أن يقود “اليمين الإسرائيلي المتطرّف” بفجاجة تصريحاته وتوحشه المعلن، إلى تقويض حقيقي لدعم الغرب إسرائيل ومشروعها. فالمعهد على لسان مديره وأحد مؤسّسيه، روبرت ساتلوف، يحذّر من أن فرض دول أوروبية أي نوع من العقوبات أو مقاطعة مستوطنات الضفة الغربية، سيؤدّي إلى لجوء تجمعات لدول غربية وغيرها، إلى تقويض “شرعية الاحتلال الإسرائيلي” للضفة وغزة والقدس وهضبة الجولان السورية.
كلام ساتلوف مثير للسخرية، فالاحتلال الإسرائيلي لم يكن يوماً شرعياً، لكنه حذر في مقال نشره على موقع المعهد في 19 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) من أن تبنّي كتل أوروبية أو عالمية أي نوع من المقاطعة والعقوبات ضد المستوطنات نتيجة لما يجري في الضفة، أي التوسّع الاستيطاني والتطهير العرقي، سيجعل الضفة الغربية وكل أرض تحت الاحتلال الإسرائيلي “وضعاً غير مشروع”.
يعي ساتلوف أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي ويخرق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن. وكنتُ قد ذكرتُ في مقال سابق في “العربي الجديد” (25/10/2026) أن إسرائيل واللوبيات الصهيونية يحاولون “شرعنة الاحتلال”، لكن ما يهمنا في هذا المقال أن اللوبي الصهيوني وواشنطن كانا مرتاحين؛ إذ اعتقدا أن الاحتلال أصبح أمراً واقعاً، ولا تتحدّاه أي قوة غربية لا قانونياً ولا إجرائياً، لكن هذا بدأ يتغير، ويجب منعه في رأيهم.
ما نعرفه عن النقاش في واشنطن ومؤيدي إسرائيل في الغرب بروز أصوات صهيونية، تعتقد أن المشروع الصهيوني في خطر جرّاء تهور نتنياهو وحلفائه. لذا التغيير في الحكومة الإسرائيلية ضروي، ومنها إبعاد نتنياهو والوجوه الفاقعة في عنصريّتها ووحشيتها، ليس لأن هذا يهدد “مستقبل السلام”، وإنما لأنه يهدّد استمرار مهادنة الدول الغربية الاحتلال نفسه، فمقاطعة المستوطنات يفتح ملف عدم مشروعية الاحتلال، وبالتالي فرض العقوبات على إسرائيل.
لجهة مصلحة إسرائيل، هم على حق؛ فعمليات التهجير تحت تهديد سلاح المستوطنين (بحماية الجيش الإسرائيلي) في الضفة الغربية، وجديدها أخيراً في الخليل أمام الكاميرات، تضع الاحتلال نفسه تحت المساءلة.. فما يمكن تسميته الجناح “الدبلوماسي” للّوبيات الصهيونية، التي تعمل على التأثير على سياسات الدول وقراراتها، يفضل التهجير التدريجي من خلال “ترتيبات” واتفاقيات تجعل وجود المستوطنين أمراً واقعاً، بدل مشاهد تفضح إسرائيل على شاشات العالم. وهنا من الضروري التذكير أن عمليات التهجير لم تبدأ بعد طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، فتدمير مخيّم جنين وعمليات أخرى بدأت قبل ذلك وتحت قيادة وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق، بيني غانتس، نموذج الصهيوني “المعتدل” ومحبوب الغرب في أعوام ماضية. لكن حرب الإبادة الصهيونية على أهل غزّة، وردة الفعل الدولية، التي قلبت الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، وضعتا حملة التطهير العرقي في الضفة الغربية تحت مجهر الغرب، فهذه العمليات بالذات هي التي استدعت إعلان بريطانيا فرض عقوبات على المستوطنات، ما أثار مخاوف اللوبي الصهيوني ومؤيدي إسرائيل. فمن وجهة بعض هؤلاء، اللوم يقع على نتنياهو، ويجب أن يرحل. فالغرب ما يزال يتحدّث عن حل الدولتين الموهوم، وتصعيد هجمة المستوطنين وعمليات التهجير يضع كل ذلك في خطر. فالغرب يريد حلّاً “دبلوماسياً” لا يشكل خطراً على صهيونية إسرائيل، ويبقي وهم إقامة دولة فلسطينية، أي كيان مسخ له علم بدون سيادة وتحت سيطرة إسرائيل. والدول العربية، في طليعة من يريد رحيل نتنياهو، وهذا مفهوم، فالمذكور يهدّد بشكل صريح باجتياح أراضي الدول العربية المجاورة، وقد اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان ومناطق في سورية. هذا خوفٌ لا تشاركه دول الاتفاقيات الإبراهيمية التحالفية، وفي مقدمها الإمارات، فالصهيونية لا تزعجها.
ليس هدف الكلام الذي تقدّم التقليل من محاولة فلسطينيي 1948 تعطيل عودة الائتلاف اليمين المتطرف في إسرائيل، خاصة أن الفوز االكبير للأحزاب الفلسطينية قد يمكّنها من التحكّم في تركيبة الحكومة المقبلة، فهي معركة مصيرية بالنسبة لهم ولكل الفلسطينيين. ولكن يجب فهم ارتياح معظم الدول الغربية لاستبعاد نتنياهو، إذا حدث هذا، فالهدف يبقى إنقاذ إسرائيل وإنقاذ أنفسهم من إحراج فك الارتباط بها. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيتمسك بحليفه في الحرب ضد إيران. وإن كان سيقع تحت ضغوط كبيرة في حال فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونغرس، خاصة المرشّحين التقدميين.
صحيح أن هدف الدولة العميقة في أميركا سيبقى إنقاذ إسرائيل والاستمرار في تدفق التمويل والتسليح للدولة الصهونية، لكن ربما نتيجة الانتخابات النصفية، قد تتحدّى ولأول مرة هذا الهدف، وإن حدث هذا فحينها سيكون بداية تحوّل، وإن بطيئة في موقف الدول الأوروبية ودول العالم أجمع.



